قراءة نقدية بقلم: رخيل مورائي
كاتب وروائي من باكستان
مؤلف ديوان «شارع في القاهرة»، أشرف أبو اليزيد، هو ابن الأرض التي يشقها نهر النيل. وُلد في مصر، ولم يقتصر عطاؤه على الشعر، بل امتد إلى الرواية والترجمة وتقديم البرامج التلفزيونية والعمل الصحفي.
وربما لا يشبه أشرف أبو اليزيد النبي يوسف في ملامحه، لكنه في عالم الشعر يستحضر روح الشاعر الفلسطيني محمود درويش. ولكل وطن ظروفه الاجتماعية والسياسية والأدبية، وتسبقها خصوصياته الحضارية والثقافية والجغرافية التي تنبثق منها القصيدة، كما ينبثق منها كل فن جميل، فتترعرع وتنضج ثم تعبر الحدود. ومع ذلك، يبقى أشرف أبو اليزيد، في نظري، شاعرًا عربيًا قبل كل شيء.
أشرف أبو اليزيد، المعروف باسمه الأدبي «أشرف دالي»، والذي يكبرني بعامين، حاصل على شهادة في الأدب الإنجليزي، وبعدها نال الدكتوراه في علم اجتماع الأدب عن أطروحته: إدارة الأزمات في الرواية العربية وتأيرها الاجتماعي. وقد صنع لنفسه مسيرة صحفية متميزة، وطاف بالعديد من بلدان العالم.

وكان الصحفي والأديب السندي المعروف نصير أعجاز هو من قدّم أشرف دالي إلى القارئ السندي. ولم يكن نصير صديقًا له فحسب، بل رافقه أيضًا في مهمات صحفية في عدد من الدول، ولا سيما في كوريا.
وقبل أن يترجم هذه المجموعة الشعرية، كان نصير أعجاز قد رسّخ مكانته مترجمًا مرموقًا من خلال ترجمته لروايتي «ميناء القلب» و**«الزنجي، الحب والتمرد»**، ليؤكد عبرهما قدرته المتميزة على نقل النصوص الأدبية إلى السندية.
وتضم هذه المجموعة قصائد كتبها أشرف دالي بالعربية في مراحل مختلفة من حياته، وقد تُرجمت إلى أكثر من لغة، أما النصوص السندية الواردة في هذا الكتاب فقد نُقلت عن الترجمة الإنجليزية.
وتتناول هذه القصائد، في آن واحد، دمار الحروب، وجمال مصر، وعجز الإنسان، وتفكك الروابط الاجتماعية بفعل التقدم العلمي، والمرأة، والحب، وتطور الوعي الإنساني. وهي قصائد كُتبت بأسلوب الشعر الحر، لتقدم صوتًا جديدًا ومتفردًا في مشهد الشعر العالمي المعاصر.
وحين يتحرر الشعر من قيود الوزن والعروض التقليدي، تتسع أمامه مساحة التعبير عن الزمن والواقع والتجربة الإنسانية الفردية. وهذه الحرية تتجلى بوضوح في جميع قصائد هذه المجموعة.
أشرف دالي شاعر من وطن نجيب محفوظ، ولذلك فإن شعره يحتضن العالم بأسره، كما يحتضن الجوانب المضيئة من الحضارة العربية وأدبها وشعرها وتراثها الروحي، إلى جانب تصويره لواقع الحروب وما تخلفه من خراب، وكل ذلك عبر لغة الشعر الحر.
أما ترجمة نصير أعجاز، فقد جاءت بسندية رشيقة وعذبة. وكل من يحظى بقراءة هذا الكتاب لن يكتفي بالاستمتاع به، بل سيدرك أيضًا الأهمية الكبيرة التي يحتلها الشعر الحر في عالم اليوم. ومن بين القصائد التي أسرتني، أقتطف ما يلي:
أجلس عند النهر الآسر وهو يحدثنى عنك / يتذكرك فتاة تعبث بالحنطة / وترش الوجه بماء الفرح النادر
***
نهرى عطش للشلال / يحبو بحثا عن رافده / عن واد يعبره / فيبث الشوق إلى فتنته / يبحث عنك مصبا يغرق فيه ” .
***
يتسلق الورد جدارا / أهمله الزمن / يشق بمحفات الضوء طريقا / بين الشقوق المظلمة / فيرسم قلوبا ملونة / يغير لون السماء / يبدل شكل النوافذ والنساء
***
مثل فراشة غارقة / تتأرجح فوق جناحيها روح / تدفعها نحو سماء الماء / والحياة / كنت هناك ” .
***
لسنا بحاجة إلى
بنادق الكلاشينكوف،
ولا الدبابات،
ولا الصواريخ،
ولا الألغام،
ولا الأسلحة النووية.
يكفينا فقط
أن نحذف كلمة واحدة
من معجم الإنسانية:
“الخوف”.
***
ما همى لو أنى منفى / طالما لي وطن / فى قلب امرأة وحيدة ؟
***
لا يعنينى أن أغير التاريخ / أو أبدل العهود القديمة وأحرفها / جئتك كى نكتب تاريخ آخر أو نكونه ”
***
في المطر المنهمر / لا يشعر احد / بقطرة وحيدة
***
في البلدان التي تعلمنا فيها النظر،
سكبنا أعيننا على الطرقات.
فمتى تتحرر أرواحنا
من ذاكرة الصمت؟
***
في كل جوانبه، يبدو هذا الديوان الشعري لأشرف دالي مؤهلًا لأن يفتح نوافذ جديدة في الأدب السندي، وأن يلهم الكتّاب آفاقًا جديدة للإبداع. وكما عهدناه دائمًا، فإن إنجاز نصير أعجاز في ترجمة هذا العمل يستحق كل التقدير، وسيظل علامة مضيئة لا يمكن أن ينالها النسيان.




