ساليرنو – إيطاليا:
شهدت مدينة ساليرنو الإيطالية أمسية ثقافية استثنائية في رحاب القوس الكتالوني (Arco Catalano)، حيث قدّم الباحث والشاعر المالي وحارس المخطوطات إسماعيل ديادي حيدرة لقاءً نادراً امتزجت فيه صفحات التاريخ بنبض الشعر في تناغم فريد.
ونظّمت الفعالية دار الشعر (Casa della Poesia)، التي حوّلت هذا الفضاء التاريخي إلى منبر حيّ للذاكرة والحوار الثقافي. وقد شكّل المكان بأجوائه العريقة خلفية مثالية لشخصية هيدارا، بوصفه آخر أحفاد الأسرة التي تولّت على مدى قرون حماية مخطوطات صندوق كاتي (Fondo Kati) في تمبكتو، إحدى أهم المجموعات المخطوطة في أفريقيا والعالم.
استُلهمت روح الأمسية من العبارة المؤثرة: «افتح الباب عندما يأتي الحب، وافتحه مرة أخرى بامتنان عندما يرحل»، وهي كلمات اختزلت جوهر اللقاء الذي احتفى ليس بالشعر فحسب، بل أيضاً بقيمة اللقاء الإنساني والتبادل الثقافي.
وكان في حضور إسماعيل ديادي حيدرة وقراءته لقصائده شيء من المعجزة الشعرية؛ فهو وريث سلالة كرّست نفسها لحماية آلاف المخطوطات من الدمار والحروب وزحف الصحراء، وجاء ليضع هذا الإرث العريق في حوار حي مع الجمهور. وقد امتدت إشاراته الثقافية والأدبية لتشمل أسماء كبرى مثل هوراس، وفيرجيل، وجياكومو ليوباردي، وفيلوديموس الغاداري، ليؤكد أن تراث تمبكتو جزء أصيل من الإرث الإنساني العالمي.
وأبرزت الأمسية فكرة جوهرية تتمثل في أن الثقافة جسر للعبور وطوق نجاة للإنسانية. فهيدارا لم يحمل معه قصائده فحسب، بل حمل ذاكرة أفريقيا المثقفة والمتسامحة والمنفتحة على العالم. وكان الإصغاء إليه تذكيراً بأن الكتب والكلمات ليست أشياء جامدة على الرفوف، بل كائنات حيّة تسافر وتصمد وتصل بين ضفاف المتوسط ومختلف بقاع الأرض.

وفي زمن تهيمن عليه السرعة والمشتتات الرقمية، تحوّل القوس الكتالوني إلى فضاء يستعيد قوة الذاكرة ووهج الكلمة المكتوبة. وللحظات قليلة، بدت ساليرنو وكأنها تستعيد دورها التاريخي كملتقى نابض للثقافات والمعارف، تماماً كما كانت في العصور الوسطى.
وأكدت هذه الأمسية أن الأدب والتراث الثقافي لا يزالان قادرين على بناء جسور الحوار بين الشعوب، وأن المخطوطات والشعر والكلمة المكتوبة تظل أدوات فاعلة في حفظ الذاكرة الإنسانية ونقل الحكمة عبر الأجيال والحدود.




