لا تضحكوا.. أنا لا أتحدث عن ثروة في بنك، ولا عن أسهم في شركة، وإنما عن ثروة من نوع آخر: صوت لا يزال يصدح بعد رحيل صاحبته بعشرات السنين.. وقد يدر عليها وعلى ورثتها أموالًا طائلة.
فقد أعلنت الإمارات أنه اعتبارًا من الأول من ديسمبر 2026 ستُلزم المطاعم والمقاهي والفنادق وشركات الطيران وغيرها من المنشآت التجارية بدفع رسوم ترخيص مقابل تشغيل الموسيقى، في إطار تنظيم حقوق الأداء العلني.. معتبرة أن ترخيص الموسيقى صدر للأفراد فقط لكي يستمعوا هم فقط به.. وليس للمطاعم أو المقاهي أو غيرهما من الأماكن.. ووعدت أن تعيد ضخ هذه الرسوم لدعم الموسيقيين عبر البلاد.
ما فعلوه يذكرنا بقناة رياضية شهيرة مشفرة.. تعطي لك الحق في مشاهدة المباريات داخل بيتك فقط.. ولكن إذا قمت باستغلال جهازك الذي يفك شفرة المباراة.. ونقلته إلى المقاهي والفنادق والأندية والمنشآت العامة.. فإنك هنا تتعرض للمساءلة القانونية.
ورغم أن الخبر قانوني في ظاهره.. لكنه جعلني أفكر في أم كلثوم، وفي صوتها الذي ما زال يصدح في المقاهي والفنادق والقنوات، وكأنه لم يعرف أن صاحبته رحلت!
ماذا لو فرضت الدولة المصرية قانونًا مماثلاً.. وفرضت رسومًا على حق الأداء العلني لأغاني أم كلثوم في المقاهي الشعبية والفنادق؟!
كان الاقتصاديون يقولون إن الأصول هي ما ينتج قيمة مع الزمن. وأم كلثوم تركت أصلًا عجيبًا: أغنيات لا تتوقف عن الإنتاج.. تخيلوا أغنية تُسمع كل يوم في مئات المقاهي والفنادق والمنشآت.. وكل أداء تجاري منها له حق.. هنا لا تعود الأغنية مجرد عمل فني، وإنما تصبح أشبه بمنجم ذهب لا ينفد.. الذهب يُستخرج مرة ثم ينقص.. أما الأغنية الجميلة فكلما استُخدمت زادت قيمتها.
وهذا هو معنى «حق الأداء العلني». الفنان لا ينبغي أن يحصل على أجره لحظة تسجيل العمل فقط، ثم يختفي حقه إلى الأبد.. فإذا ظل الناس ينتفعون بعمله، فمن الطبيعي أن يظل له نصيب من هذا الانتفاع وفق القانون. إنها قاعدة قديمة جدًا في الحياة: “من صنع القيمة، فله حق في عائدها”.
والغريب أننا نفهم هذه القاعدة في كل شيء تقريبًا. ندفع ثمن الكهرباء التي نشغل بها المكان، وثمن الكرسي الذي نجلس عليه، وثمن القهوة التي نشربها.. ثم نستغرب أن يكون لصاحب الصوت الذي منح المكان روحه حق أيضًا!
هذا يجرنا لما قد أُعلن في مصر عن تفعيل حق الأداء العلني للفنانين.. وهي خطوة مهمة؛ لأن هناك فنانين انتهت حياتهم في ظروف صعبة، بينما بقيت أعمالهم حاضرة ومستخدمة حتى اليوم!! وهنا تظهر المفارقة.. قد يموت الفنان فقيرًا، بينما تظل أعماله غنية.
والقضية لا تخص المطربين وحدهم أو الفنانين.. ماذا لو مددنا الخط على استقامته وشملنا كل الإنتاجات الفنية التي تبهجنا؟!
ماذا عن الشيخ محمد صديق المنشاوي وغيره من كبار القراء؟! أصواتهم ما زالت في البيوت، والدوار، والمندرة، والمآتم، وصوان العزاء، وفي تسجيلات تتناقلها الأجيال.. لقد انتهت حياتهم، لكن أصواتهم لم تنته.. وعاشت في قلوبنا!!
وهل للقراء اللامعين المشهورين حق أداء علني؟! لا أعرف.. سؤال أطرحه لعلنا نتباحث فيه ونصل إلى ما ينفع ورثتهم.
أم نكتفي بأن أصواتهم كانت لنشر القرآن في ربوع العالم.. والثواب كله من عند الله وحده لا شريك له.
يقول الفيلسوف جون لوك، في جوهر فكرته عن الملكية، “إن الإنسان يملك ثمرة عمله”. وهذه الفكرة تنطبق على الفن كما تنطبق على الأرض والعمل والتجارة؛ فالصوت أيضًا عمل.. واللحن أيضًا عمل.. والتسجيل الذي يبقى حيًا بعد صاحبه هو ثمرة جهد لا يجوز أن تتحول إلى شيء مباح بلا حساب.
ولذلك فحماية حقوق الفنان ليست حربًا على المستثمر أو صاحب المقهى.. بالعكس.. الصناعة كلها في مركب واحد.. الفنان يريد أن يعيش من فنه، والمستثمر يريد صناعة ناجحة، والجمهور يريد أن يسمع ويستمتع.. فإذا حصل كل طرف على حقه، استمرت الموسيقى والفن والحياة.
وربما لو كان هناك عداد يحسب عدد المرات التي استُخدم فيها صوت أم كلثوم تجاريًا منذ رحيلها، ثم حسبنا حجم الرسوم على هذه الاستخدامات لاكتشفنا أن «ثروتها» أكبر مما نتخيل.. وربما تجاوزت يومًا ما ثروة إيلون ماسك!
لكن السؤال الأهم ليس: كم كانت ستصبح أم كلثوم غنية؟
بل السؤال هو: كم من الفنانين ماتوا فقراء وتركوا وراءهم مناجم ذهب، (حتى لو عملا واحد فقط).. ومع ذلك لم يستفد منه لا هو ولا ورثته؟!
..
أحمد سعيد طنطاوي
عن الأهرام






