‏أحمد سعيد طنطاوي يكتب:‏ماذا لو كانت أم كلثوم أغنى من إيلون ماسك؟!

 لا تضحكوا.. أنا لا أتحدث عن ثروة في بنك، ولا عن أسهم في شركة، وإنما عن ثروة من نوع آخر: صوت لا يزال يصدح بعد رحيل صاحبته بعشرات السنين.. وقد يدر عليها وعلى ورثتها أموالًا طائلة.

‏فقد أعلنت الإمارات أنه اعتبارًا من الأول من ديسمبر 2026 ستُلزم المطاعم والمقاهي والفنادق وشركات الطيران وغيرها من المنشآت التجارية بدفع رسوم ترخيص مقابل تشغيل الموسيقى، في إطار تنظيم حقوق الأداء العلني.. معتبرة أن ترخيص الموسيقى صدر للأفراد فقط لكي يستمعوا هم فقط به.. وليس للمطاعم أو المقاهي أو غيرهما من الأماكن.. ووعدت أن تعيد ضخ هذه الرسوم لدعم الموسيقيين عبر البلاد.

‏ما فعلوه يذكرنا بقناة رياضية شهيرة مشفرة.. تعطي لك الحق في مشاهدة المباريات داخل بيتك فقط.. ولكن إذا قمت باستغلال جهازك الذي يفك شفرة المباراة.. ونقلته إلى المقاهي والفنادق والأندية والمنشآت العامة.. فإنك هنا تتعرض للمساءلة القانونية.

‏ورغم أن الخبر قانوني في ظاهره.. لكنه جعلني أفكر في أم كلثوم، وفي صوتها الذي ما زال يصدح في المقاهي والفنادق والقنوات، وكأنه لم يعرف أن صاحبته رحلت!

‏ماذا لو فرضت الدولة المصرية قانونًا مماثلاً.. وفرضت رسومًا على حق الأداء العلني لأغاني أم كلثوم في المقاهي الشعبية والفنادق؟!

‏كان الاقتصاديون يقولون إن الأصول هي ما ينتج قيمة مع الزمن. وأم كلثوم تركت أصلًا عجيبًا: أغنيات لا تتوقف عن الإنتاج.. تخيلوا أغنية تُسمع كل يوم في مئات المقاهي والفنادق والمنشآت.. وكل أداء تجاري منها له حق.. هنا لا تعود الأغنية مجرد عمل فني، وإنما تصبح أشبه بمنجم ذهب لا ينفد.. الذهب يُستخرج مرة ثم ينقص.. أما الأغنية الجميلة فكلما استُخدمت زادت قيمتها.

‏وهذا هو معنى «حق الأداء العلني». الفنان لا ينبغي أن يحصل على أجره لحظة تسجيل العمل فقط، ثم يختفي حقه إلى الأبد.. فإذا ظل الناس ينتفعون بعمله، فمن الطبيعي أن يظل له نصيب من هذا الانتفاع وفق القانون. إنها قاعدة قديمة جدًا في الحياة: “من صنع القيمة، فله حق في عائدها”.

‏والغريب أننا نفهم هذه القاعدة في كل شيء تقريبًا. ندفع ثمن الكهرباء التي نشغل بها المكان، وثمن الكرسي الذي نجلس عليه، وثمن القهوة التي نشربها.. ثم نستغرب أن يكون لصاحب الصوت الذي منح المكان روحه حق أيضًا!

‏هذا يجرنا لما قد أُعلن في مصر عن تفعيل حق الأداء العلني للفنانين.. وهي خطوة مهمة؛ لأن هناك فنانين انتهت حياتهم في ظروف صعبة، بينما بقيت أعمالهم حاضرة ومستخدمة حتى اليوم!! وهنا تظهر المفارقة.. قد يموت الفنان فقيرًا، بينما تظل أعماله غنية.

‏والقضية لا تخص المطربين وحدهم أو الفنانين.. ماذا لو مددنا الخط على استقامته وشملنا كل الإنتاجات الفنية التي تبهجنا؟!

‏ماذا عن الشيخ محمد صديق المنشاوي وغيره من كبار القراء؟! أصواتهم ما زالت في البيوت، والدوار، والمندرة، والمآتم، وصوان العزاء، وفي تسجيلات تتناقلها الأجيال.. لقد انتهت حياتهم، لكن أصواتهم لم تنته.. وعاشت في قلوبنا!!

‏وهل للقراء اللامعين المشهورين حق أداء علني؟! لا أعرف.. سؤال أطرحه لعلنا نتباحث فيه ونصل إلى ما ينفع ورثتهم.

‏أم نكتفي بأن أصواتهم كانت لنشر القرآن في ربوع العالم.. والثواب كله من عند الله وحده لا شريك له.

‏يقول الفيلسوف جون لوك، في جوهر فكرته عن الملكية، “إن الإنسان يملك ثمرة عمله”. وهذه الفكرة تنطبق على الفن كما تنطبق على الأرض والعمل والتجارة؛ فالصوت أيضًا عمل.. واللحن أيضًا عمل.. والتسجيل الذي يبقى حيًا بعد صاحبه هو ثمرة جهد لا يجوز أن تتحول إلى شيء مباح بلا حساب.

‏ولذلك فحماية حقوق الفنان ليست حربًا على المستثمر أو صاحب المقهى.. بالعكس.. الصناعة كلها في مركب واحد.. الفنان يريد أن يعيش من فنه، والمستثمر يريد صناعة ناجحة، والجمهور يريد أن يسمع ويستمتع.. فإذا حصل كل طرف على حقه، استمرت الموسيقى والفن والحياة.

‏وربما لو كان هناك عداد يحسب عدد المرات التي استُخدم فيها صوت أم كلثوم تجاريًا منذ رحيلها، ثم حسبنا حجم الرسوم على هذه الاستخدامات لاكتشفنا أن «ثروتها» أكبر مما نتخيل.. وربما تجاوزت يومًا ما ثروة إيلون ماسك!

‏لكن السؤال الأهم ليس: كم كانت ستصبح أم كلثوم غنية؟

‏بل السؤال هو: كم من الفنانين ماتوا فقراء وتركوا وراءهم مناجم ذهب، (حتى لو عملا واحد فقط).. ومع ذلك لم يستفد منه لا هو ولا ورثته؟!
‏..
‏أحمد سعيد طنطاوي
عن الأهرام

Related Posts

شاعر الكلمة المقاتلة … إفندي منصوروفيتش كابييف

Effendi Kapiev  1909 – 1944  إبراهيم إستنبولي   سوريا – طرطوس   روائي وباحث أدبي وناشر وشاعر ومترجم سوفيتي داغستاني. كتب بالروسية واللاكية والقوموقية. وُلد إفندي كابييف في 13 آذار عام 1909 في قرية قوموخ الداغستانية لعائلة من الحرفيين وصائغي المجوهرات. أمضى طفولته في مدينة ستافروبول مع والده، الذي كان يعمل كمهاجر إلى روسيا. وهناك، تعلم اللغة الروسية وتعرّف على أشعار بوشكين وكولتسوف. في عام ١٩١٩، عادت عائلة كابييف إلى داغستان واستقرت في تِمير خان شورا (أصبح اسمها  بويناكسك عام ١٩٢٢)، حيث نشأ إفندي في دار للأيتام، ثم أُرسل إلى مدرسة داخلية لأطفال الجبال في كلية بويناكسك التربوية. عمل مدرسًا للغة الروسية في قرية أكساي التابعة لناحية قوموق… بدأ مسيرته الأدبية عام ١٩٣١، عندما نُشرت قصة كابييف القصيرة “تمَّ تنفيذ  الحكم” في صحيفة “داغستان الحمراء”. شغل منذ بداية عام 1932 منصب السكرتير التنفيذي لجمعية الكتاب البروليتاريين في داغستان. وشارك في التحضير للمؤتمر الأول لكتاب داغستان الذي عقد عام 1934 برئاسة مكسيم غوركي. انتخب مندوبًا إلى  المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوفييت. وقد التقى على هامش المؤتمر مع مجموعة من كتاب الاتحاد والجمهوريات المستقلة، ومع أ. م. غوركي في منزل هذا الأخير قرب موسكو، حيث قرأ ترجماته الشعرية. وفي العام نفسه، أصبح عضوًا في اتحاد كتاب الاتحاد السوفييتي الذي تأسس حديثًا. في عام 1935، نُشرت في موسكو أول مختارات داغستانية بعنوان “داغستان”، جمعها وحررها كابييف، عن دار النشر الحكومية “خودوجيستفينايا ليتراتورا”. انتقل عام 1935 إلى مديتة بياتيغورسك في إقليم ستافروبول الروسي، حيث عمل في هيئة تحرير صحيفة “الشاب اللينيني”. انخرط منذ عام 1937 في العمل الأدبي ككاتب محترف، وراح يتنقل على نطاق واسع في أنحاء داغستان، حيث قام بجمع وتسجيل المواد الفولكلورية وأعمال الشعراء الداغستانيين وممثلي الشعر الشفوي. شارك عام ١٩٤٠ في مؤتمر عموم الاتحاد لعلماء الفولكلور في موسكو. وفي عام 1940، نُشر في موسكو ديوان كابييف الشعري “نحت على الحجر”، المستوحى من الشعر الشفوي لسكان المرتفعات. عمل كابييف خلال الحرب الوطنية العظمى، بعد أن تمَّ تسريحه من الخدمة العسكرية الفعلية بسبب المرض، داعيةً ومُحرِّضًا. وفي نهاية عام ١٩٤١، أُرسل إلى الخطوط الأمامية للجبهة الجنوبية. وأثمرت هذه الرحلة كتابًا من القصص القصيرة والمقالات بعنوان “القوزاق في الجبهة”، شارك في تأليفه مع س. بابايفسكي.عمل مراسلاً لصحيفة “إلى الأمام من أجل الوطن!” التي كانت تصدر عن جبهة شمال القوقاز. توفي في 27 يناير من عام 1944 بعد خضوعه لعملية جراحية بسبب قرحة نازفة في المعدة. أقامت حكومة داغستان نصبًا تذكاريًا للكاتب عند قبر إفندي كابييف في بياتيغورسك. يحمل النصب نقشًا بارزًا من كلمات الشاعر نفسه: “يا وطني، أنت وحدك خالد، مثل أُمّي… فَ دع شبابي يحيا في ديارك”. نُشرت وأُعيدت طباعة كتب إفندي كابييف “الشاعر”، و”نحت الحجر”، و”مقالات في الخطوط الأمامية”، و”دفاتر”، و”غير منشورة” مرات عديدة في داغستان، وفي الجمهوريات السوفييتية السابقة، وفي الخارج. أُطلق اسم الشاعر على عدد من الشوارع في محج قلعة، وبويناكسك، وبياتيغورسك، وعلى المسرح اللاكي للموسيقى والدراما في محج قلعة. يوجد تمثال نصفي للشاعر في محج قلعة أمام مدخل وزارة الثقافة في داغستان. وقد كرّس رسول حمزاتوف قصيدة ل إفندي كابييف بعنوان “الحبيب”. حيث استخدم رسول حمزاتوف في هذه القصيدة، لقب “حبيب”، وهو الاسم الذي كان الشاعر الداغستاني سليمان ستالسكي، “هوميروس القرن العشرين”، ينادي به إفندي كابييف. نشرت القصيدة في ديوان “قلبي في الجبال” الذي صدر عام 1959.   نص القصيدة:   أرى غُرّةَ شعرِك، وخطوطَ تجاعيدِك،  أرى نظرتَك المسحورة بالسماءِ وبالهواء،  لقد استعجلتَ الرحيل، أيّها الحبيب…   — يا أغنيةَ “داغستاني” الجميلة! …

بعد سبع سنوات على وفاته.. إحياء ذكرى الشاعر المكسيكي إنريكي سيرفين بقراءة قصائد في «إل خونكو»

  يُعدّ إنريكي سيرفين واحدًا من أبرز مثقفي ولاية تشيهواهوا، وسيُحتفى بذكراه مرة أخرى بالكلمات والقصائد والذكريات أمام المنزل الذي عاش فيه سنواته الأخيرة. إنريكي سيرفين، الشاعر والمثقف حظي إنريكي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *