أحداثجاليري

الآثار الغارقة بمصر: مستقبل الآثار المصرية في الفترة القادمة

د. حسين عبد البصير

تمتلك مصر واحدًا من أغنى وأندر أنواع التراث الأثري في العالم، وهو التراث الغارق تحت مياه البحار والبحيرات، ذلك التراث الذي لا يقل أهمية أو قيمة عن آثار البر، بل ربما يفوقها من حيث الندرة والتعقيد والدلالة الحضارية. فالآثار الغارقة ليست مجرد بقايا حجرية مغمورة بالماء، بل هي مدن كاملة، وموانئ، ومعابد، وتماثيل، وسفن، وشواهد حية على تفاعل المصري القديم – ومن بعده اليوناني والروماني – مع البحر باعتباره طريقًا للحياة والتجارة والسلطة.

تُعد السواحل المصرية، خاصة ساحل البحر المتوسط، من أكثر مناطق العالم ثراءً بالآثار الغارقة، وعلى رأسها منطقة دلتا النيل، وخليج أبي قير، وسواحل الإسكندرية، حيث ترقد مدن أسطورية مثل هيراكليون (تونيس) وكانوبوس وأجزاء واسعة من الإسكندرية القديمة. هذه المدن لم تغرق فجأة في لحظة واحدة، بل كان غرقها نتيجة عوامل طبيعية متراكمة مثل الزلازل، والانهيارات الأرضية، وتغير منسوب البحر، وضعف التربة الطينية في الدلتا، ما يجعلها سجلًا جيولوجيًا وحضاريًا فريدًا في آن واحد.

خلال العقود الأخيرة، شهد علم الآثار الغارقة في مصر تطورًا ملحوظًا، خاصة مع دخول تقنيات حديثة في المسح البحري والتصوير ثلاثي الأبعاد والغوص العلمي، وهو ما سمح بالكشف عن كنوز مذهلة أعادت رسم خريطة الموانئ القديمة ودور مصر البحري في العصور الفرعونية واليونانية والرومانية. وقد كشفت هذه الاكتشافات عن حقيقة مهمة، وهي أن البحر لم يكن هامشًا في التاريخ المصري، بل كان جزءًا أصيلًا من المجال الحضاري والسياسي والاقتصادي للدولة المصرية.

ومع ذلك، فإن السؤال الأهم اليوم لا يتعلق بما تم اكتشافه فقط، بل بما يمكن أن تمثله الآثار الغارقة لمستقبل الآثار المصرية في الفترة القادمة. فالعالم يشهد حاليًا تحولًا كبيرًا في مفهوم التراث، حيث لم يعد الاهتمام مقتصرًا على المعابد والمقابر، بل امتد ليشمل التراث الطبيعي، والتراث المغمور بالمياه، والتراث غير المرئي. وفي هذا السياق، تمتلك مصر فرصة تاريخية لإعادة صياغة موقعها في خريطة علم الآثار العالمي من خلال ملف الآثار الغارقة.

أول أوجه هذا المستقبل يتمثل في البحث العلمي. فالآثار الغارقة تفتح آفاقًا جديدة لفهم التاريخ المصري، خاصة في الفترات المتأخرة، حيث تلقي الضوء على العلاقات التجارية والدينية بين مصر والعالم المتوسطي، وعلى طبيعة المدن الساحلية، وأنظمة الموانئ، وطرق الملاحة، والسفن، والطقوس المرتبطة بالبحر. كما أنها تساعد في تصحيح كثير من الفرضيات التاريخية التي بُنيت سابقًا اعتمادًا على مصادر برية فقط، دون الأخذ في الاعتبار البعد البحري.

أما الوجه الثاني فيتعلق بالتكنولوجيا وتوطين المعرفة. فالعمل في مجال الآثار الغارقة يتطلب علومًا متعددة: آثار، وجيولوجيا، وفيزياء، وهندسة، وعلوم بحار، وتقنيات رقمية. وهذا يفرض على المؤسسات المصرية تطوير برامج تعليمية وبحثية متخصصة، وإنشاء كوادر وطنية قادرة على قيادة هذا المجال بدلًا من الاعتماد شبه الكامل على البعثات الأجنبية. إن مستقبل الآثار الغارقة في مصر مرتبط بشكل مباشر بمدى قدرتنا على الاستثمار في الإنسان المصري، وتدريبه، ومنحه الأدوات العلمية الحديثة.

الوجه الثالث يتمثل في الحماية والتشريع. فالآثار الغارقة أكثر عرضة للخطر من آثار البر، سواء بسبب التغيرات المناخية، أو التلوث البحري، أو التعديات، أو النهب غير المشروع. ومن ثمّ، فإن مستقبل هذا التراث يتطلب تشريعات أكثر صرامة، وخططًا واضحة لإدارة المواقع الغارقة، وربطها بمنظومة الأمن القومي الثقافي، لأن ما يرقد تحت الماء هو جزء لا يتجزأ من هوية مصر وذاكرتها التاريخية.

الوجه الرابع، وربما الأكثر تأثيرًا، هو السياحة الثقافية المستدامة. فالآثار الغارقة تمثل كنزًا سياحيًا غير مستغل بالشكل الكافي. فالعالم اليوم يتجه بقوة نحو سياحة التجربة والمعرفة، وليس مجرد المشاهدة. ويمكن لمصر أن تصبح مركزًا عالميًا لسياحة الغوص الأثري، من خلال إنشاء مسارات غوص ثقافية، ومتاحف تحت الماء، وعروض رقمية تفاعلية تُمكّن الزائر من رؤية المدن الغارقة دون الإضرار بها. هذا النوع من السياحة لا يدر دخلًا اقتصاديًا فحسب، بل يخلق وعيًا عالميًا بقيمة التراث المصري، ويعزز صورته الحضارية.

ولا يمكن إغفال البعد الثقافي والإعلامي. فالآثار الغارقة تمتلك جاذبية قصصية هائلة؛ مدن ضائعة، ومعابد غرقت، وتماثيل يرقد بعضها في صمت منذ آلاف السنين. هذه العناصر يمكن توظيفها في الأفلام الوثائقية، والأعمال الدرامية، والروايات، والمعارض الدولية، بما يساهم في بناء سردية مصرية حديثة عن تاريخها البحري، بدلًا من ترك هذه السردية تُكتب بأقلام غير مصرية.

في النهاية، يمكن القول إن الآثار الغارقة ليست مجرد فرع تخصصي داخل علم الآثار، بل هي أحد مفاتيح مستقبل الآثار المصرية ككل. فهي تمثل مجالًا علميًا واعدًا، وفرصة اقتصادية حقيقية، وأداة دبلوماسية ثقافية، ووسيلة لإعادة قراءة تاريخ مصر من زاوية جديدة. وإذا أحسنت مصر التعامل مع هذا الملف بعلم ورؤية واستقلالية، فإن الأعماق التي ابتلعت مدنًا قديمة يمكن أن تصبح جسرًا يعيد مصر إلى صدارة المشهد الحضاري العالمي في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى