أحداثأدبشخصيات

“أطياف الرئيس”: قراءة معمقة في صورة القادة عبر السينما

د. حسين عبد البصير

صدر حديثًا عن دار أطياف للنشر والتوزيع بالقاهرة كتاب الإعلامية والروائية الدكتورة صفاء النجار بعنوان “أطياف الرئيس”، وهو عمل علمي وفني يستكشف علاقة السينما بصورة القادة والزعماء، مقدمًا دراسة فريدة تجمع بين التحليل الإعلامي والفني، وبين الرؤية الروائية والثقافية. ويأتي هذا الكتاب كإضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال الدراسات السينمائية والسياسية، مسلطًا الضوء على الطريقة التي تقدم بها السينما صورة الرؤساء، سواء على الصعيد المصري أو العالمي.

يبدأ الكتاب من فرضية أساسية، لكنها عميقة: الرئيس ليس مجرد شخصية سياسية أو رمز للسلطة، بل هو شخصية محورية في وعي المجتمع، يحمل ثقلًا نفسيًا واجتماعيًا كبيرًا، ويؤثر في تشكيل الرؤى الجماعية حول السلطة والقيادة. وبسبب هذا الدور الحساس، تعاملت وسائل الإعلام عامة والسينما الروائية خاصة مع صورة الرئيس بحذر شديد، ما يجعل دراسة هذه الصورة نافذة لفهم العلاقة بين السلطة والفن والوعي الجماعي.

تركز النجار على السمات المختلفة للرئيس كما قدمتها السينما، من الناحية الديمغرافية والاجتماعية والنفسية والعقلية، وكيفية مواجهته لضغوط المنصب، وعلاقاته بالمحيطين به، وطبيعة قراراته وتأثيرها على المجتمع. ويحلل الكتاب أيضًا الرموز البصرية والسمعية المستخدمة في تصوير الرئيس، مثل الإضاءة، الزوايا السينمائية، الموسيقى التصويرية، وتصميم الشخصيات، وكيف تعكس هذه العناصر رؤى مختلفة عن القيادة والسلطة.

يتميز الكتاب بقدرته على تقديم مقارنة بين السينما المصرية والعالمية، وبخاصة السينما الأمريكية، التي غالبًا ما تسمح بمساحات أكبر للتناول النقدي أو الفكاهي لشخصيات الرؤساء، بينما تتأثر السينما المصرية في تناولها بصورة الرئيس بطبيعة النظام السياسي، ودرجة الحرية المتاحة لصناع السينما، مما يجعل التحليل أكثر عمقًا وثراءً. في هذا الإطار، تبرز النجار دور السينما في تشكيل الوعي الجماعي حول الرئيس والزعماء، وكيف يمكن للصورة السينمائية أن تتحول إلى أيقونة ثقافية تتجاوز الفيلم نفسه.

إضافة إلى التحليل الأكاديمي، يحمل الكتاب بعدًا روائيًا وشخصيًا يعكس خبرة مؤلفته الإعلامية والأدبية؛ فالدكتورة صفاء النجار حاصلة على الدكتوراه من كلية الإعلام – جامعة القاهرة، ومقدمة برنامج «أطياف» على شبكة تلفزيون «الحياة»، ولها مجموعة من الأعمال الأدبية التي تشمل روايات مثل: «استقالة ملك الموت»، و«حسن الختام»، و«مقامات الغضب»، ومجموعات قصصية مثل: «البنت التي سرقت طول أخيها»، و«الحور العين تفصص البسلة»، و«الدرويشة». هذه الخلفية تمنحها قدرة فريدة على المزج بين البحث الأكاديمي والتحليل الفني، وبين فهم الشخصيات الإنسانية والروائية للقادة، ما يجعل كتابها دراسة شاملة ومتعددة الأبعاد.

ويشير الكتاب إلى أن دراسة صورة الرئيس في السينما لا تتعلق فقط بالجانب الفني، بل تتقاطع مع السياسة والثقافة والمجتمع، حيث تعكس الأعمال الفنية نوعية النظام السياسي، ودرجة الحرية، وطبيعة العلاقة بين السلطة والفن. ويظهر ذلك جليًا في مقارنة معالجة الرؤساء في السينما المصرية، التي غالبًا ما تميل إلى تقديم صورة رسمية ومحافظة، مقابل السينما الأمريكية التي تتناول القادة أحيانًا بأسلوب نقدي أو رمزي، مستغلة أدوات السينما التعبيرية في رسم سمات الشخصية والتأثير النفسي على الجمهور.

كما يقدم الكتاب تحليلاً دقيقًا لدور السينما في تشكيل الصورة الجمعية للرئيس، سواء كرمز سياسي واجتماعي، أو كشخصية إنسانية ذات أبعاد متعددة، وما يحمله ذلك من تأثير على الجمهور ووعي المجتمع. ويشرح الكتاب كيف أن السينما قادرة على تقديم الرئيس بطرق متعددة: أحيانًا كبطل أو رمز قوي، وأحيانًا كإنسان ضعيف، وأحيانًا كساحة للصراعات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، ما يجعل دراسة الصورة السينمائية للرئيس نافذة لفهم الثقافة السياسية والمجتمعية في أي دولة.

في النهاية، يمثل كتاب “أطياف الرئيس” نموذجًا للدراسات الثقافية المتكاملة التي تتقاطع فيها السياسة والإعلام والفنون السينمائية، ويعيد للقارئ فرصة التأمل في الطريقة التي تقدم بها السينما الزعماء والقادة، ويمنحه أدوات لفهم العلاقة المعقدة بين السلطة والفن، وبين الحقيقة والتصوير الفني، وبين الوعي الجماعي والثقافة البصرية. إنه كتاب لا يهم الأكاديميين والباحثين فحسب، بل أيضًا الجمهور المهتم بالسينما والفن والسياسة، لما يقدمه من قراءة متعمقة وموسعة لصورة القائد في وجدان المجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى