أدبشخصيات

الجسد بوصفه لغة: تمثلات الجسد في السرد والشعر الحديث

د. حمزة مولخنيف - المملكة المغربية

ليس الجسد في الكتابة الحديثة معطى تشريحيا، ولا هو حضور بيولوجي محايد، بل هو لغة كاملة، نظام دلالي كثيف وفضاء تأويلي تتقاطع فيه السلطة والرغبة والذاكرة والهوية والألم والمعنى. منذ أن بدأ الفكر الحديث في مساءلة مركزية العقل الخالص، وانفتحت الفلسفة على الجسد بوصفه شرطا للوجود والمعرفة، لم يعد الجسد مجرد وعاء للذات، بل صار هو ذاته ذاتا ناطقة، نصا يُقرأ بقدر ما يُكتب، ويُؤوَّل بقدر ما يُعاش. وفي هذا التحول العميق وجد السرد والشعر الحديثان في الجسد مادة رمزية خصبة، وأداة تعبير لا تقل بلاغة عن اللغة ذاتها، بل لعلها اللغة في أقصى درجاتها كثافة وإيحاء.

لقد كان الإرث الميتافيزيقي الغربي منذ أفلاطون، ميالا إلى إقصاء الجسد أو تحقيره، باعتباره عائقا أمام صفاء الروح أو العقل. غير أن هذا التراتب الثنائي، الذي جعل من الجسد ظلا أو خطيئة أو سجنا، بدأ يتصدع مع الفلسفة الحديثة، خصوصا مع نيتشه الذي أعلن بوضوح أن “الجسد هو العقل الكبير”، وأن ما نسميه روحا ليس سوى “كلمة لشيء في الجسد”. بهذا المعنى لم يعد الجسد موضوعا للفكر، بل صار مصدره الخفي وشرطه الأول. ومن هنا نفهم لماذا تحوّل الجسد في الأدب الحديث إلى موقع مركزي لإنتاج المعنى، لا بوصفه موضوع وصف، بل بوصفه جهازا دلاليا قادرا على قول ما تعجز اللغة المفهومية عن قوله.

الجسد في الكتابة الحديثة لا يتكلم بالمعنى الحرفي، لكنه يُفصح عبر الإيماءة وعبر الندبة وعبر الرعشة وعبر الصمت ذاته. يقول رولان بارت إن “الجسد هو المكان الذي تكتب فيه اللذة نصها”، وهو قول لا ينبغي فهمه في أفق الإيروسية الضيقة، بل في أفق أن الجسد هو موضع الأثر، موضع الانفعال وموضع ما يتركه العالم فينا من علامات. ولذلك فإن الجسد في السرد والشعر الحديثين لا يُستدعى لذاته، بل بما هو أثر للعالم، وبما هو ذاكرة صامتة للتاريخ الشخصي والجماعي.

حين نقرأ الرواية الحديثة، من دوستويفسكي إلى كافكا، ومن فوكنر إلى ماركيز، ندرك أن الجسد ليس خلفية للأحداث، بل هو الحدث ذاته في كثير من الأحيان. جسد راسكولنيكوف المرتعش المحموم، ليس مجرد انعكاس لحالته النفسية، بل هو لغة الجريمة والذنب قبل أن تُصاغ في كلمات. وجسد غريغور سامسا المتحوّل إلى حشرة، في “المسخ” لكافكا، ليس استعارة زخرفية، بل هو أقصى درجات التعبير الجسدي عن الاغتراب الوجودي، عن انكسار العلاقة بين الذات والعالم. إن التحول الجسدي هنا ليس حدثا غرائبيا، بل خطابا فلسفيا صامتا، يقول ما لا تستطيع المفاهيم المجردة قوله.

وفي الشعر الحديث يتخذ الجسد بعدا أكثر كثافة لأنه ينفلت من السرد الخطي ويصير شذرة ومضة نداء. جسد الشاعر ليس موضوعا للوصف، بل هو أداة للرؤية. يقول أنطونان أرتو إن “الفكر لا يولد في الرأس، بل في الجسد”، ولهذا فإن قصيدة الجسد ليست قصيدة عن اللحم، بل قصيدة عن التفكير المتجسد، عن المعنى وهو يتشكل في الألم، في الشهوة، في التعب، في الفقد. ولهذا أيضا نرى عند شعراء الحداثة، من بودلير إلى رامبو، ومن إليوت إلى لوركا، حضورا جسديا كثيفا، جسدا متشظيا، مريضا، مصلوبا، راقصا، لأن الجسد هنا هو مرآة الحداثة نفسها، بقلقها وتمزقها وانكسار يقينها.

الجسد بوصفه لغة لا يتكلم إلا لأنه مُقمَع. فكل خطاب جسدي هو في العمق خطاب مقاومة. يشيرميشيل فوكو إلى أن الجسد هو “سطح تُكتب عليه علاقات السلطة”، ولذلك فإن تمثيل الجسد في الأدب الحديث لا ينفصل عن نقد السلطة، سواء كانت سلطة سياسية أو دينية أو أخلاقية أو لغوية. الجسد المعذَّب في نصوص السجون، الجسد الأنثوي في الكتابة النسوية، الجسد المستعمَر في أدب ما بعد الكولونيالية، كلها أجساد تتكلم لأن الكلام صودر منها، ولأن اللغة الرسمية لم تعد قادرة على احتوائها.

في هذا السياق يغدو الجسد كتابة مضادة، نصا يفضح ما تخفيه الخطابات الكبرى. ليس مصادفة أن تقول هيلين سيكسو إن “المرأة يجب أن تكتب جسدها”، لأن كتابة الجسد هنا ليست دعوة إلى الاعتراف الحسي، بل إلى استعادة الصوت المسلوب إلى تفكيك اللغة الذكورية التي همّشت الجسد أو جعلته موضوعا للسيطرة. الجسد المكتوب هو جسد يستعيد سيادته الرمزية، ويعيد توزيع المعنى.

غير أن الجسد وهو يتكلم في النص، لا يفعل ذلك بوصفه وحدة متجانسة، بل بوصفه تشظيا. الجسد الحديث جسد مكسور، موزع بين الأعضاء، بين الأعراض، بين الانفعالات. يقول موريس ميرلو-بونتي إن “الجسد ليس شيئا نملكه، بل هو ما نحن عليه”، لكنه يضيف أن هذا “النحن” ليس واحدا، بل متعدد، متوتر، مفتوح. ولذلك فإن تمثلات الجسد في السرد والشعر الحديثين تأتي غالبا مجزأة: عين، يد، فم، جرح، نفس. هذا التفتيت ليس عجزا عن الإمساك بالكل، بل هو وعي بأن الكل لم يعد معطى جاهزا، وأن الذات نفسها لم تعد وحدة صلبة.

إن الجسد في هذا الأفق، هو لغة قبل أن يكون موضوعا للغة. لغة بلا نحو ثابت، بلا معجم مستقر، لغة تنبثق من التجربة قبل أن تُصاغ في الكلمات. يقول فالتر بنيامين إن “التجربة الحديثة فقيرة”، لكن الجسد هو ما تبقى من هذه التجربة، هو مخزنها الأخير. ولذلك فإن الكتابة الحديثة وهي تعاني من أزمة المعنى تلجأ إلى الجسد لا لتصفه، بل لتفكر من خلاله. الجسد هنا ليس بديلا عن الفكر، بل شكلا آخر من أشكاله.

ولعل ما يميز تمثلات الجسد في الأدب الحديث هو هذا التوتر الدائم بين القول والصمت. الجسد يتكلم لأنه عاجز عن الكلام، ويصمت لأنه مثقل بالمعنى. يقول صمويل بيكيت: “ليس هناك ما يُقال، ومع ذلك يجب أن يُقال”، والجسد هو هذا “القول المستحيل”. ارتعاشته، سكونه، انهياره، كلها جمل غير منطوقة، لكنها أشد بلاغة من الخطاب المباشر.

في هذا المستوى يصبح الجسد أرشيفا وذاكرة حية. جسد المنفي يحمل جغرافيا مفقودة، جسد المعذَّب يحمل تاريخ القمع، جسد العاشق يحمل زمن الانتظار. ولذلك فإن القراءة الجسدية للنص ليست قراءة سطحية، بل هي قراءة للزمن المتجسد. يقول بول ريكور إن “الذاكرة تسكن الجسد قبل أن تسكن اللغة”، وهذا ما يجعل من الجسد في السرد والشعر الحديثين وسيطا بين الفردي والجماعي، بين الذاتي والتاريخي.

هكذا يتبين أن الجسد في الكتابة الحديثة ليس مجرد ثيمة من ثيمات الأدب، بل هو أفق تأويلي كامل، لغة موازية للغة، وربما سابقة عليها. إنه المكان الذي تتقاطع فيه الفلسفة والشعر والسرد والفكر والتجربة والرمز. جسد يتكلم لا لأنه فصيح، بل لأنه مجروح، ولا لأنه واضح، بل لأنه ملتبس. ومن هذا الالتباس بالذات تولد بلاغته، وتنبثق قدرته على قول ما لا يُقال.

إذا كان الجسد في الكتابة الحديثة قد انكشف بوصفه لغة، فإن هذه اللغة لا تعمل في فراغ محايد، بل تتحرك داخل توترات كبرى، لعل أبرزها توتر المقدس والمدنس، الإيروسي والسياسي والفردي والجماعي. فالجسد وهو ينكتب في النص، لا يظهر بريئا ولا طبيعيا، بل محمَّلا بتاريخ طويل من التحريم والتقديس، من التشييء والتسامي ومن الكبت والانفجار. ولهذا فإن تمثلات الجسد في السرد والشعر الحديثين لا يمكن فهمها إلا باعتبارها ممارسات رمزية تعيد مساءلة الحدود التي رسمتها الثقافة بين ما يجوز قوله وما يجب كتمانه، بين ما يُرفع إلى مقام الطهر وما يُدفع إلى هامش الدنس.

لم يعد المقدس في الأدب الحديث مقصورا على الخطاب الديني الصريح، بل صار بنية خفية تتحكم في نظرتنا إلى الجسد. فالجسد المقدس ليس فقط جسد النبي أو الولي أو الشهيد، بل هو أيضا الجسد الذي تفرض عليه الثقافة نظاما صارما من الضبط والمعنى. يقول ميرسيا إلياد إن المقدس ليس شيئا خارج العالم، بل “طريقة خاصة في الوجود داخله”، وبالقياس ذاته يمكن القول إن الجسد المقدس هو جسد يُنزَع من عاديته، ويُحاط بسياج رمزي يمنعه من أن يكون مجرد جسد. غير أن الكتابة الحديثة وقد ورثت شكّ الحداثة وقلقها، لم تعد تنظر إلى هذا السياج بوصفه معطى نهائيا، بل بوصفه خطابا قابلا للتفكيك.

في كثير من نصوص السرد الحديث، يتجلى الجسد بوصفه ساحة صراع بين المقدس والمدنس. الجسد الذي يُطالَب بالطهر، لكنه محكوم بالرغبة؛ الجسد الذي يُرفَع إلى مقام الرمز، لكنه يظل مثقلا باللحم. هذا التوتر هو ما يمنح الجسد كثافته الدلالية. فحين يكتب دوستويفسكي عن الجسد الخاطئ، أو حين يجعل فوكنر من الجسد الجنوبي جسدا ملطخا بتاريخ العبودية والخطيئة، فإنهما لا يصفان حالة أخلاقية، بل يكشفان عن انقسام عميق في الوعي الحديث، وعي لم يعد قادرا على التوفيق بين المثال والقاع، بين السماء والتراب.

وفي الشعر الحديث، يتخذ هذا التوتر بعدا أكثر حدة. فالشاعر وهو يقيم علاقة ملتبسة مع المقدس، لا يجد أمامه سوى الجسد ليقول ما لا يُقال. جسد يصلّي وجسد يجدّف، جسد يرتفع وجسد يسقط. يقول جورج باتاي إن الإيروسية “تجربة حدّية، تلامس المقدس لأنها تلامس الموت”، ومن هنا نفهم لماذا يتجاور في القصيدة الحديثة الجسد والصلاة، اللذة والفناء. جسد لوركا المصلوب على إيقاع الأندلس، جسد إليوت المتعب في “الأرض الخراب”، جسد أدونيس الممزق بين الأسطورة والتاريخ، كلها أجساد لا تبحث عن المتعة، بل عن المعنى في أقصى درجات هشاشته.

إن الإيروسي في سياقنا هذا، لا ينبغي اختزاله في بعده الجنسي الضيق، بل فهمه بوصفه طاقة وجودية، رغبة في الامتلاء وفي تجاوز الحدود. الجسد الإيروسي في الأدب الحديث هو جسد يسائل النظام الرمزي الذي يحاصره. إنه احتجاج صامت على لغة أخلاقية لم تعد قادرة على استيعاب التجربة. ولذلك يقول رولان بارت إن “الإيروسية ليست ما يُرى، بل ما يُحسّ”، لأنها تتعلق بما يتجاوز التمثيل المباشر. الجسد الإيروسي وهو يُكتب لا يُعرَض بل يُلمَّح إليه، يُكسَّر ويُجزَّأ لأنه يعيش دائما في منطقة بين القول والكتمان.

غير أن الجسد في الكتابة الحديثة لا يكتفي بأن يكون موقعا للرغبة، بل يتحول أيضا إلى موقع للسياسة. الجسد السياسي هو الجسد الذي تتقاطع فيه السلطة والمعنى. يقول فوكو إن السلطة لا تُمارَس فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل “تمر عبر الأجساد”، تضبطها وتدرّبها وتعاقبها. ومن هنا فإن تمثيل الجسد في السرد الحديث، خاصة في روايات السجون والمنفى والاستعمار، ليس مجرد توصيف للمعاناة، بل تفكيك لآليات السيطرة. الجسد المعذَّب الجائع المنفي هو خطاب مضاد، نص مكتوب بالألم.

في أدب ما بعد الكولونيالية، يصبح الجسد أرشيفا للهيمنة. جسد المستعمَر يحمل آثار العنف الرمزي والمادي، يحمل لغة الآخر وقد انغرست فيه. ولذلك فإن كتابة الجسد هنا هي كتابة للذاكرة الجريحة. يقول إدوارد سعيد إن الاستعمار “لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل المخيلة”، والجسد هو أول ما تُحتل مخيلته. من هنا تأتي كثافة الجسد في نصوص الطيب صالح وغسان كنفاني ونغوجي واثيونغو، حيث يتحول الجسد إلى مرآة لتاريخ مغتصب، وإلى وسيلة لاستعادة الصوت.

أما الجسد الأنثوي، فقد كان ولا يزال أكثر الأجساد عرضة للتأويل والسيطرة. في الكتابة النسوية الحديثة لا يظهر الجسد بوصفه موضوعا للنظر، بل بوصفه ذاتا ناطقة. الجسد الذي كُتب طويلا من الخارج، يحاول الآن أن يكتب نفسه. تقول سيمون دو بوفوار إن “المرأة لا تولد امرأة، بل تُصبح كذلك”، وهذه “الصيرورة” تمر حتما عبر الجسد. ولذلك فإن كتابة الجسد الأنثوي ليست استعراضا، بل فعل مقاومة رمزية، محاولة لإعادة تعريف الذات خارج القوالب المفروضة.

ومع ذلك فإن الجسد في الأدب الحديث لا يُختزل في هويته الجندرية أو السياسية، بل يظل فضاء وجوديا مفتوحا. الجسد هو ما يجعل الإنسان كائنا زمنيا فانٍ معرَّضا للألم. يقول هايدغر إن الوجود هو “الوجود نحو الموت”، والجسد هو العلامة الأكثر وضوحا على هذا التوجه. الشيخوخة والمرض والتعب، كلها موضوعات جسدية، لكنها في النص تتحول إلى أسئلة فلسفية. جسد بروست الذي ينهكه المرض، جسد كافكا الهش، جسد بيكيت المنهار، ليست مجرد حالات بيولوجية، بل استعارات كبرى عن هشاشة الكينونة.

يغدو الصمت الجسدي أبلغ من الكلام. الجسد الذي يعجز عن الحركة، الذي يتوقف عن الرغبة، الذي ينهار، يقول الكثير. يقول ليفيناس إن “الوجه هو ما يمنعني من القتل”، ويمكن توسيع هذا القول لنفهم الجسد بوصفه نداء أخلاقيا. الجسد المتألم يستدعي المسؤولية، يفضح عنف العالم، ويضع القارئ أمام سؤال المعنى. ولهذا فإن الأدب الحديث، وهو يكتب الجسد لا يهدف إلى إثارة الشفقة، بل إلى زعزعة الاطمئنان.

الجسد إذن، ليس زينة بلاغية، ولا موضوعا ثانويا، بل هو قلب الكتابة الحديثة. إنه النقطة التي يلتقي فيها الفكر بالشعر، والتاريخ بالذات، واللغة بالصمت. جسد لا يطمئن إلى تعريف، ولا يستقر في صورة. جسد متحوّل متشظٍّ، لأنه يعيش في عالم فقد يقيناته الكبرى. ومن هنا تأتي بلاغته من كونه غير مكتمل وغير منتهٍ، مفتوحا على التأويل.

إن الجسد في السرد والشعر الحديثين ليس ما يُقال عنه، بل ما يُقال به. إنه وسيط للمعنى، لا موضوعا له فقط. الجسد وهو يُكتب، يكشف عن حدود اللغة، ويقترح عليها إمكانات جديدة. إنه اللغة حين تعجز عن أن تكون مجرد مفاهيم، وحين تضطر إلى أن تمر عبر الألم والرغبة والذاكرة. ومن هنا فإن الجسد ليس نقيضا للروح ولا عدوا للفكر، بل شرطا لظهورهما.

لقد علمتنا الحداثة بكل قلقها أن المعنى لا يُعطى جاهزا، بل يُنتزع من التجربة. والجسد هو التجربة في أكثر صورها كثافة. هو ما يجعلنا نعرف أننا موجودون، لأننا نتألم، نرغب، نفنى. ولذلك فإن الكتابة التي تتجاهل الجسد، أو تحوّله إلى مجرد رمز فارغ، إنما تفقد صلتها بالوجود. في المقابل، فإن الكتابة التي تنصت إلى الجسد، لا بوصفه مادة، بل بوصفه لغة، تفتح أفقا جديدا للفكر، أفقا لا يفصل بين الشعر والفلسفة، ولا بين الجمال والحقيقة.

ليس الجسد، في النهاية، حلا لمشكلة المعنى، بل هو المشكلة ذاتها. إنه السؤال المفتوح الذي لا جواب له، لأنه يتغير باستمرار. جسد يعيش في التاريخ، لكنه لا يذوب فيه؛ ينتمي إلى الثقافة لكنه يتجاوزها؛ يُكتب لكنه يظل عصيا على الامتلاك. ومن هذه المفارقة بالذات تنبع قوته الرمزية، وقدرته على أن يكون لغة لا تنفد.

هكذا، حين يتكلم الجسد في السرد والشعر الحديثين، فإنه لا يقدّم خطابا مكتمل البنية، بل يترك أثرا وندبة في اللغة، تشقّها وتعيد تشكيلها. أثر يجعل القارئ شريكا في التجربة، لا متلقيا سلبيا. وربما في هذا تكمن أخلاق الكتابة الحديثة، أن تجعل من الجسد جسرا بين الذوات لا جدارا، وأن تجعل من هشاشته إمكانا للفهم، لا ذريعة للإقصاء.

إن الجسد وهو يُستعاد بوصفه لغة، يعيد إلى الأدب وظيفته الأولى: أن يكون معرفة مجسَّدة، وأن يكون تفكيرا لا يخجل من لَحْمه. وفي عالم يزداد تجريدا وقسوة، لعل الإنصات إلى بلاغة الجسد هو آخر ما يربطنا بما تبقى من إنسانيتنا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى