شمس الشموس أبو الغيث بن جميل … السّيرة والتّحقّق

 كتاب جديد للشاعر والكاتب علوان مهدي الجيلاني يمثل كتاب (شمس الشموس: أبو الغيث بن جميل السيرة والتحقق) للشاعر والكاتب علوان مهدي الجيلاني، الصادر هذا الأسبوع في صنعاء إضافة نوعية للمكتبة الصوفية والتاريخية، لا سيما فيما يتعلق بتاريخ التصوف في اليمن؛ إذ يتجاوز الكتاب كونه سيرة تقليدية ليقدم مشروعًا بحثيًا متكاملاً يهدف إلى استعادة المكانة الحقيقية للقطب الصوفي الكبير شمس الشموس أبي الغيث بن جميل (ت. 651هـ -1253م)، وتأصيل دوره الروحي والاجتماعي في عصره وما تلاه؛ حيث ينطلق الجيلاني من تأصيل تاريخ التصوف وقوة وجوده في اليمن قبل القرن السابع الهجري، وتصحيح الصورة النمطية التي تقلل من حضوره في تلك الفترة، وهي الصورة التي رسمها بعض الباحثين بطريقة غير دقيقة، مؤكداً أن مؤسسات التصوف اكتملت في القرن السادس الهجري.

قيمة الكتاب تنبع من كون شمس الشموس أبي الغيث بن جميل يمثل حالة استثنائية في تاريخ التصوف، فقد جمع بين فرادة التجارب الذاتية الفارقة، والتميز في قيادة المريدين وقد تناولته اشتغالات الكتاب من خلال محاور عدة، تبدأ من تتبع دقيق ومفصل لحياته، من ولادته حتى وفاته، مع تصحيح الأخطاء التاريخية والخلط في المصادر، وتوثيق تفاصيل حياته التي لم تكن معروفة للعامة، يبدأ الجيلاني كتابه بـمقدمة عنوانها (استعارة غير مألوفة)، يذكر فيها مبررات اشتغاله على سيرة شمس الشموس؛ ثم يعرض تاريخ التصوف في اليمن، قبل ظهوره؛ ليرسم الإطار النظري والتاريخي الذي نشأت فيه سيرته.

بعد ذلك تتوالى أبواب الكتاب، ففي مجال نشأة شمس الشموس وتكوينه نقرأ فصولاً مثل: (أول الغيث بن جميل)، (قطرة من قنديل السماء)، (بين أيدي الشيوخ)، (فتنة الأحوال الغالبة)، (من التيه إلى الفتح)، حيث نقرأ بدياته ومراحل تربيته الروحية على أيدي مشائخ مثل ابن أفلح والأهدل والحكمي والبجلي والمعيني والهتار وغيرهم. وفي مجال تأسيس شمس الشموس لخصوصية ومنهجه؛ نتابع كيفية تشييده خصوصيته، بعد انتقاله إلى بيت عطا، وتأسيس الرباط، وأساليب جذب المريدين والأصحاب، موضحاً كيف بنى الشيخ أبو الغيث مدرسته الصوفية الخاصة.

وفي مجال مقارباته لقطبيته والمكانة العليا التي وصل إليها يتناول فصولاً مثل: شيخ الشيوخ، والخلافة الكبرى، وصاحب الوقت، ويكشف أسرار تحكيمه للباهوت أحمد بن علوان، من خلال إيراد المراسلات التي دارت بينهما، كيف حدثت وقائع التحكيم، وهي كلها جديدة تنشر لأول مرة، وهي الفصول التي تؤسس لمكانته الروحية المطلقة. ويتناول الجيلاني تأثير شمس الشموس وسلطته الروحية والختام، م خلال فصول مثل: حامي حمى اليمن، حياة الوجود، ومائة عام من الأنوار، ليرصد أثر الشيخ في عصره وبعد وفاته. اعتمد الجيلاني في كتابه منهجاً تاريخياً تحليلياً استقصائياً، يتسم بالصرامة في التحقق من الروايات.

وقد أشار المؤلف في مقدمته إلى أن منهجه يقوم على الاستقصاء الشامل، والبحث عن كل ما كتب عن شمس الشموس أبي الغيث بن جميل في المصادر المخطوطة والمطبوعة، بما في ذلك المصادر التي لم تكن متداولة، مثل مخطوطة (مرقوم الحقائق)، إلى جانب محاولة ترتيب السيرة زمنياً، وهو ما قال الجيلاني بأنه تطلب صبراً وإصراراً لتجاوز إهمال المؤرخين لتسلسل الأحداث.

على أن الجيلاني لم يكتفِ بالسرد، بل قدم مقاربات تأويلية للأحداث والمواقف الصوفية، محاولاً فهم الوقائع الإشارية كالمكاشفات والكرامات من منظورها الصوفي الداخلي، ناهيك عن الاشتباك مع الشذرات العرفانية وتحقيق الاصطلاحات. يتميز الكتاب بأسلوب يجمع بين الرصانة الأكاديمية والجزالة الأدبية، وهو ما يتناسب مع موضوعه الذي يمزج بين التاريخ والتصوف، واستخدام أساليب التحليل والتعليل، حيث لا يمر على معلومة دون محاولة تفسيرها أو تأويلها في سياقها الصوفي والتاريخي،

كما يتسم النص في بعض المواضع بالتكثيف والإشارة، خاصة عند الحديث عن مقامات الشيخ وأحواله، وهو ما يتماهى مع طبيعة خطاب أبي الغيث بن جميل نفسه الذي كان يتميز بكثافة الإشارات التي يصعب تلقيها. الكتاب يمثل أهمية كبيرة؛ حيث تكمن القيمة المضافة له في كونه مرجع لا يمكن الاستغناء عنه؛ فهو استعادة قوية لسيرة منسية أو مغفول عنها، وقد نجح الجيلاني في إخراجها من دائرة التناقل المحدود إلى دائرة البحث العلمي الموسع، مقدماً رسماً شاملاً لمسار شخصية فذّة وفريدة التأثير. ويمثل الكشف عن نصوص ومراسلات له لم تكن معروفة من قبل، مثل مراسلات شمس الشموس مع أحمد بن علوان ضربة بحثية مهمة؛ ذلك أنها تفتح آفاقاً جديدة لدراسة فكره وتأثيره، والجيلاني من خلال تحليل أقوال الشيخ ومواقفه، يثري الفكر الصوفي بمفاهيم عميقة حول القطبية، والولاية، والخلافة الكبرى، مما يجعله مصدراً مهماً للمتخصصين في الفلسفة الصوفية.

شمس الشموس أبو الغيث بن جميل السيرة والتحقق

المؤلف: علوان مهدي الجيلاني

الناشر: غافق للدراسات والنشر الطبعة: الأولى، 1447هـ / 2025م

عدد الصفحات 504

  • Related Posts

    Cuba Opens Its Doors to the World’s Writers

    International Literary Residence Launches a New Cultural Exchange Initiative **Havana, Cuba** – A new chapter in international literary and cultural cooperation is set to begin with the launch of the…

    Homer: The Timeless Models of the Hero

    Epic poetry, which began to develop in the early Geometric Period (1000 BC), reached its full maturity with Homer, who lived in the 8th century BC. Through his heroic epics, the Iliad and the Odyssey, Homer celebrates and brings together two fundamental models of heroism: Achilles, distinguished by his courage, willpower and right action, and Odysseus, distinguished by his prudence, skill in action, effectiveness and altruistic intelligence, which connects the hero with himself and with nature. Homer and Philosophy: Convergences and Analogies Through Time  Achilles’ right action, that is, action free from attachment to its fruits or outcomes, would later find expression in various philosophical traditions: in Plato, in Stoic philosophy (according to which virtue has value in and of itself), in Giordano Bruno and in Kant (acting out of duty, for the sake of duty itself). Plato considered that the philosopher’s primary task was to weave together the virtues of courage and prudence, harmonising will and wisdom. Furthermore, he believed that the fundamental task of the philosopher who becomes a statesman is to ensure the harmonious coexistence of all citizens within the fabric of social life. When a single ruler governs, it is essential that he combines the virtues of courage and prudence. When several rulers govern, courageous and prudent individuals must coexist. Homer in the Renaissance: The Harmony of Strength and Wisdom  The representatives of the Renaissance spirit sought to overcome the contradictions and conflicts of their time and to create a better world. This desire for change led them to seek inspiration in the classical world. Ancient thought was revived through philosophy, while myths and symbols re-emerged through art, particularly painting. Giordano Bruno symbolically portrayed the harmony between strength and wisdom in his work On the Composition of Images, Signs and Ideas, through the figure of a man holding a sceptre in his right hand and a book in his left, symbolising power and wisdom respectively. Paolo Veronese also depicted the symbolic union of strength and wisdom in his painting Allegory of Strength and Wisdom. The painting portrays Hercules, whose gaze is directed towards the earthly world, alongside a female figure representing wisdom, whose gaze is directed towards the celestial and spiritual world. Homer in the Contemporary World: The Timeless Relevance of His Values  Courage Leads to Prudence  A courageous person follows the golden mean. They avoid extremes, both recklessness and cowardice. They maintain their inner balance and do not allow difficulties, despair, melancholy or sorrow to dominate their thoughts and behaviour. Courage helps them overcome psychological and physical difficulties, master their impulses and preserve their inner strength. Prudence, on the other hand, enables them to distinguish right from wrong and to choose the appropriate course of action. Courage without prudence can turn into recklessness, while prudence without courage can remain inactive knowledge. The true fulfilment of the human being lies in the harmonious coexistence of courage and prudence, of strength and wisdom. This is perhaps the timeless message that we can draw from Homer and carry into the contemporary world. Thank you very much for your attention. Yannis K. Fikas President of the Academy of Farsala

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *