تأليف: غريد الشيخ
دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر – بيروت
ماذا لو أتيح لنا أن نلتقي شعراءنا الذين نقرأهم في الكتب، وأن نغادر صفحات الدواوين لنمشي معهم في الأمكنة التي عاشوا فيها، ونسمع منهم حكاياتهم، ونسألهم عن قصائدهم، ونكتشف الإنسان المختبئ خلف الكلمات؟
من هذه الفكرة تنطلق سلسلة «أيّام معهم» للكاتبة اللبنانية غريد الشيخ، الصادرة عن دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر في بيروت، في تجربة سردية تجمع بين القصة والتمثيل والتخييل الأدبي، وتجعل من الشعراء شخصيات حاضرة تتحاور مع قارئة شغوفة بالشعر اسمها رَغَد.
رَغَد ليست قارئة عابرة؛ إنها عاشقة للشعر والأدب، تعمل في شرح دواوين الشعراء. لكنها لا تكتفي بالشرح والتحليل، بل تذهب في رحلة استثنائية مع كل شاعر تقرأ شعره. تلتقيه في عالمه، تزور الأمكنة المرتبطة بحياته، تستمع إلى روايته الخاصة، وتحاوره حول قصائده وتجربته، لتغوص معه في أعماق الشعر والحياة معًا.
وهكذا يصبح الماضي حاضرًا، ويصبح الديوان مكانًا للقاء، وتتحول القراءة إلى مغامرة إنسانية.
«أيّام مع جرير»… الشاعر الذي يدافع عن هجائه
في «أيّام مع جرير» تغوص رَغَد في حياة الشاعر الأموي الشهير، وتستمع منه إلى أطرف المواقف التي مرّ بها، وإلى حكايته مع الهجاء والمديح.
لا يظهر جرير هنا بوصفه اسمًا محفوظًا في كتب الأدب فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا له مواقفه وذكرياته ودفاعاته. ويتحدث عن هجائياته، محاولًا أن يشرح لرَغَد أنه كان يكسب المال من الهجاء أو المديح، فتتولد من الحوار مواقف طريفة وممتعة، تجعل القارئ يقترب من جرير بطريقة مختلفة.
إنها قراءة للشاعر من الداخل، حيث تتجاور الفكاهة مع المعرفة، وتتحول سيرته إلى حكاية نابضة بالحياة.
«أيّام مع نزار قباني»… من دمشق إلى بيروت
في «أيّام مع نزار قباني» تبدأ الرحلة من البزورية في دمشق، حيث تعبر رَغَد المكان بروائحه وذاكرته، قبل أن تصل إلى منزل نزار قباني، فتستقبلها روائح الفل والياسمين، ويستقبلها الشاعر قارئًا لها من شعره.
ثم تتسع الرحلة لتصل إلى بيروت والجنوب، ويتحدث نزار لرَغَد عن البلاد التي زارها، وعن الأمكنة التي تركت أثرها في تجربته، وعن العلاقة بين المكان والقصيدة.
هنا لا يكون نزار مجرد شاعر غزل معروف، بل شاعرًا عاش الأمكنة والتحولات، وحملها معه إلى قصائده. ومن خلال حوار رَغَد معه، تتكشف جوانب من تجربته الشعرية والإنسانية في رحلة تجمع دمشق وبيروت والذاكرة.
«أيّام مع محمد الفيتوري»… أفريقيا التي تسكن القصيدة
أما في «أيّام مع محمد الفيتوري»، فتدخل رَغَد إلى عالم شاعر أحبته منذ سنوات المدرسة، وفتنتها قصائده التي جعلت من أفريقيا حضورًا شعريًا وإنسانيًا بارزًا.
حين تلتقي الفيتوري، تكون قد رسمت في خيالها صورة مختلفة للشاعر، حتى إنها تخيلت أنها ستجد أمامها عنترة بن شداد. لكن الفيتوري لا يشبه الصورة التي رسمتها له مخيلتها. يلاحظ ارتباكها وخيبة أملها، فيقرأ لها قصيدته التي يتحدث فيها عن شكله، فيتحول الموقف الطريف إلى مدخل للحوار.
ومن هناك يبدأ الغوص في تفاصيل حياة الفيتوري وشعره، وفي علاقته بأفريقيا والهوية والمنفى والإنسان، لتكتشف رَغَد أن الشاعر الحقيقي أكبر من الصورة التي قد يصنعها القارئ في مخيلته.
«أيّام مع عبد العزيز خوجة»… حين تتحول القصيدة إلى حوار
في «أيّام مع عبد العزيز خوجة» تتخذ الرحلة منحى أكثر ارتباطًا بالواقع العربي وآلامه.
تقرأ رَغَد قصيدة «أسفار الرؤيا» للشاعر في لحظة كانت فيها جنين تتعرض لقصف عنيف، فتشعر بأن القصيدة تعبّر عن آلام الأمة. وفجأة يظهر الشاعر أمامها، فتبدأ بينهما مناقشة حول ما يحدث، قبل أن ينتقلا إلى الحديث عن بقية تجربته الشعرية.
لكن الكتاب يحمل مفاجأة أدبية لافتة في فصل بعنوان «خيمة الشعر»، حيث تجمع الكاتبة في مشهد تخييلي طريف عبد العزيز خوجة بوصفه المضيف، وعمر بن أبي ربيعة، وقيس ليلى، وجميل بثينة، ورَغَد.
إنها خيمة تتسع لشعراء من عصور وتجارب مختلفة، فيلتقي الشعر العذري بعمر بن أبي ربيعة، ويلتقي الجميع بالشاعر المضيف، بينما تتدخل رَغَد بأسئلتها وتعليقاتها، فتولد حوارات طريفة تكسر الحواجز بين الأزمنة وتعيد تقديم الشعراء في صورة إنسانية قريبة من القارئ.
مشروع يجعل القراءة رحلة عبر الزمن
ما يميز سلسلة «أيّام معهم» أنها لا تقدم الشعراء في صورة تراجم جامدة، ولا تكتفي بشرح قصائدهم، وإنما تخلق مسرحًا تخييليًا للقراءة تلتقي فيه شخصية القارئ بالشاعر.
رَغَد هي مفتاح هذه الرحلات؛ فمن خلالها يستطيع القارئ أن يدخل إلى عالم جرير، ونزار قباني، ومحمد الفيتوري، وعبد العزيز خوجة، وأن يرى الشاعر في بيئته، ويسمع صوته، ويشارك في الحوار معه.
إنها محاولة لإعادة تقديم الشعر إلى القارئ، خصوصًا القارئ الشاب، بلغة تجمع المعلومة والمتعة والحوار والفكاهة والخيال. فبدل أن يبقى الشاعر حبيس الديوان أو الكتاب المدرسي، يصبح شخصية يمكن أن نلتقيها ونسألها ونختلف معها ونضحك معها.
وفي هذا تكمن جاذبية السلسلة: أنها تجعل القراءة موعدًا، والشعر سفرًا، والشاعر رفيقًا لأيام لا تُنسى.
«أيّام معهم» ليست مجرد سلسلة عن الشعراء، بل دعوة إلى أن نقرأ الشعراء كما لو أننا نجلس إليهم فعلًا، نستمع إلى حكاياتهم، ونسألهم عن قصائدهم، ثم نعود من الرحلة ونحن نرى الشعر والحياة بعين أخرى.





