بقلم: د. أشرف أبو اليزيد
حين أطلقت سلسلة “إبداعات طريق الحرير” جائزة البردية الذهبية، لم يكن هدفها مجرد الاحتفاء بالإنجاز الأدبي. فقد جاءت الجائزة بوصفها عودة رمزية إلى منابع السرد الإنساني والتبادل الثقافي. ويحمل شعارها دلالتين عميقتين: حورس، الإله المصري القديم ذي هيئة الصقر، الذي يرمز ببصره النافذ إلى الرؤية والحكمة والحماية؛ والبردية، المادة التي خطّت عليها إحدى أعرق الحضارات الإنسانية ذاكرتها وخيالها ومعارفها.
ويمثل حورس والبردية معاً الرسالة الخالدة للأدب: أن يرى ما وراء الحدود، وأن يحفظ روح الإنسانية عبر الكتابة.

وتُمنح جائزة البردية الذهبية لعام 2026 لثلاث شخصيات أدبية بارزة تجسد حياتها وأعمالها هذه الفلسفة: الشاعر الكازاخي أولوجبيك أورازبايولي يسداولت، والشاعر والروائي الصيني تشاو شوي، وشاعرة طريق الحرير الصينية وانج فانج ون. وعلى الرغم من انتمائهم إلى أجيال وتقاليد أدبية مختلفة، فإنهم يجتمعون في إيمان واحد، وهو أن الأدب جسر بين الشعوب وأداة للحوار الروحي.

يُعد أولوجبيك أورازبايولي يسداولت واحداً من أبرز الأصوات الشعرية في كازاخستان المعاصرة. وُلد عام 1954 في منطقة زايسان بشرق كازاخستان، وظلت رحلته الأدبية وثيقة الصلة بالتحولات الثقافية والتاريخية التي شهدها وطنه. فمنذ صدور كتابه الأول وهو في العشرين من عمره، وصولاً إلى توليه رئاسة اتحاد كتّاب كازاخستان، تكشف مسيرته عن استمرارية نادرة تجمع بين التميز الإبداعي والمسؤولية الثقافية.
ولا يقتصر دور يسداولت على كونه شاعراً غنائياً مرهف الحس، بل إنه مجدد في الشكل الشعري أيضاً. فقد أسس تقاليد الشعر الأبيض والشعر الحر في كازاخستان، فاتحاً آفاقاً جديدة للغة الشعرية في بلاده. وتكشف مؤلفاته، ومنها “القافلة البيضاء” و”زمن ـ آي” و”الكتاب اللبادي”، عن كاتب منشغل بعمق بقضايا الذاكرة والهوية والأبعاد الميتافيزيقية للتجربة الإنسانية. أما الجوائز والأوسمة العديدة التي نالها، ومنها جائزة الدولة في جمهورية كازاخستان ولقب العامل المكرم في كازاخستان، فهي لا تحتفي بإنجاز فردي فحسب، بل تعترف برؤية شعرية وسّعت آفاق الأدب التركي الحديث.

وإذا كان يسداولت يمثل الاستمرارية والتجدد داخل التقليد الأدبي الوطني، فإن تشاو شوي يجسد اتساع الأفق الأدبي على المستوى العالمي. فقد وُلد عام 1982، وأصبح أحد أبرز ممثلي الأدب الصيني المعاصر، وأحد المهندسين الكبار للحوار الأدبي العابر للحدود.
وتثير أعماله الدهشة من حيث غزارتها وتنوعها؛ إذ أصدر خمسين كتاباً تشمل دواوين شعرية وروايات ومجموعات مقالية وترجمات وحكايات للأطفال، إلى جانب أعمال تلفزيونية وسينمائية. لكن كثرة الإنتاج وحدها لا تفسر مكانته. فمن خلال أعمال مثل “ملحمة أوراسيا” و”الأميرة سنو ليوبارد”، يقترح تشاو شوي جغرافيا أدبية جديدة تتحاور فيها الحضارات بدلاً من أن تتواجه.
وبصفته مؤسس حركة الشعر العظيم وعضواً فاعلاً في العديد من المؤسسات الأدبية الدولية، نجح في تحويل الأدب إلى شبكة حية من اللقاءات الثقافية. كما أن ترجمة أعماله إلى ست وثلاثين لغة وحصوله على أكثر من مائة جائزة أدبية حول العالم يكشفان عن كاتب تتجاوز مخيلته الحدود الوطنية. ففي رؤية تشاو شوي، لا يعود طريق الحرير مجرد مسار تاريخي، بل يغدو استعارة شعرية للمصير الإنساني المشترك.

أما المكرَّمة الثالثة، وانغ فانغ ون، فتقدم لجائزة البردية الذهبية تجسيداً غنائياً خالصاً لروح طريق الحرير. فقد وُلدت في مدينة شيآن، البوابة الشرقية القديمة لطريق الحرير التاريخي، وكرّست مسيرتها لتنمية التبادل الأدبي بين الأمم. وبصفتها شاعرة جوّالة على طريق الحرير، وأستاذة جامعية مرموقة، ومحررة أدبية ومنظمة ثقافية، فقد سعت باستمرار إلى الجمع بين المخيلة الشعرية والتواصل بين الثقافات.
وتشهد جوائزها العديدة، ومن بينها جائزة بوشكين الشعرية الروسية وجائزة أفضل عشرة شعراء معاصرين في الصين، على الصدى الدولي لتجربتها الإبداعية. كما تكشف كتبها الأدبية الاثنا عشر عن كاتبة تدرك أن الشعر رحلة إلى الداخل بقدر ما هو حوار مع الآخر. أما قيادتها لمؤسسات أدبية مثل الاتحاد الدولي لشعراء طريق الحرير ومجلة “شعراء العالم”، فتعبر عن التزام راسخ بخلق فضاءات يلتقي فيها المبدعون من مختلف الثقافات على قاعدة الاحترام المتبادل.
ومن ثم، فإن اختيار هؤلاء الأدباء الثلاثة ليس اختياراً عابراً أو مصادفة. فكل واحد منهم يمثل بُعداً متميزاً من أبعاد الأدب العالمي المعاصر: يجسد يسداولت تجدد الوعي الشعري الوطني؛ ويجسد تشاو شوي عالمية الأدب والخيال الحضاري؛ فيما تجسد وانج فانج ون الرسالة الشعرية القائمة على اللقاء بين الثقافات.

وتحت نظرة حورس، وعبر الوسيط الرمزي للبردية، تؤكد جائزة البردية الذهبية 2026 أن الأدب لا يزال واحداً من أعظم أشكال مقاومة الإنسانية للانقسام والنسيان والعزلة الروحية. ويذكّرنا المكرَّمون الثلاثة بأن الكتابة ليست مجرد تمرين جمالي، بل هي فعل من أفعال الذاكرة، وإيماءة صداقة بين الحضارات، وطريق حرير دائم، تواصل الكلمات عبره رحلتها العريقة من قلب إنسان إلى قلب إنسان آخر.




