حوار مع القاص والشاعر منير البولاهمي 

 

حاوره من تونس طارق العمراوي

وفي هذه الحالة تأتي المضامين الشعريّة لتملأ بيوت الشعر بالمعاني والأحاسيس والمشاعر الفياضة

لقد ثبت عبر التاريخ والأزمان أنّ الرهان على سرد القصص بلسان الحيوان ليقول الكثير رهان صائب وناجح، نظرا لأنّه أثبت فاعليته باعتباره أهمّ الأدوات الحكائية العابرة للأزمنة

س1 كيف تقدّمون الكاتب منير البولاهمي؟

     منير البولاهمي أستاذ لغة عربية من مواليد 15 أفريل 1969 بقرية عين البيّة الراجعة بالنظر إلى معتمدية فرنانة من ولاية جندوبة،متحصّل على الأستاذية في اللغة والآداب العربية من كلية الآداب بمنوبة وعلى الماجستير آداب وإنسانيات من المعهد العالي للعلوم الإنسانية بجندوبة وطالب في مرحلة الدكتورا في اختصاص الحضارة الحديثة بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس،يعود الفضل في اهتمامي بالأدب شعرا ونثرا إلى تكويني الأدبي في مختلف المؤسسات العمومية وإلى تأطير أساتذتي الّذين اكتشفت معهم أسرار الكتابة الإبداعية الأدبية، وإلى ارتيادي لنوادي الأدب ومشاركاتي في مختلف المسابقات والملتقيات الأدبية، وهو ما جعلني أؤمن بأنّ الأدب رسالة إنسانية وتربويّة تهدف إلى بناء الوعي لدى الإنسان ونحت كيانه وتحقيق توازنه، لذلك خضت العديد من التجارب الأدبية تراوحت بين كتابة القصيدة العمودية والحرّة والنثرية،وتناولت هذه التجارب قضايا عاطفية ونفسية ووجوديّة ووطنية وقومية واتسمت بما يشبه الشجن الوجودي، فصدر لي في هذا الإطار مجموعتين شعريتين الأولى بعنوان ( البحث عن الشقّ الآخر) والثانية بعنوان ( جنة دوبة ) عن دار ميارة للنشر والتوزيع ثمّ خضت تجارب أخرى تتمثل في كتابة قصص للأطفال محاولا الاستجابة لشروط أدب الطفل فصدر لي منها ( البطة الوفية) عن دار المنارة للنشر والتوزيع، وقصة ( النوارس والبجع) عن دار الأدب الوجيز ، كما خضت تجارب أخرى في كتابة الخواطر والشعر والقصّة بمختلف أنواعها و في كتابة الرواية وهي تجارب ما زالت كلّها مخطوطة تنتظر النشر 

س2 الشعر قواف ومضامين كيف تكتبونه وأهم ما كتبتم من هواجس وجودية وحياتية ووطنية وووو؟ 

في الحقيقة لم تكن تجربة كتابة الشعر تجربة سهلة بل كانت من الصعوبة بمكان نظرا لأنّ كتابة الشعر تعتمد على قواعد ومعايير لغوية وبلاغيّة وعروضيّة صارمة وبناء على هذا لا يكون الشاعر شاعرا إلاّ إذا كان عالما بهذه القواعد والمعايير ،ولكنّ هذا لا يعني أنّ الشاعر   مطالبا بأن يكتفيَ بضبط  القافية ومجاراة البحور الشعرية الخليلية فقط، وإنّما عليه أن يفرغ فيها ما يصدر عنه من دُفُقَاتٍ شعورية ووجدانية تنبع من أعماقه الدّاخلية بما فيها من قلق وحزن وزفرات في لحظة معينة يسميها أستاذنا محمد لطفي اليوسفي لحظة المكاشفة الشعرية وفي هذه الحالة تأتي المضامين الشعريّة لتملأ بيوت الشعر بالمعاني والأحاسيس والمشاعر الفياضة،ونظرا لأنّ الشعر قواف ومضامين حاولت كتابة قصائد شعرية عمودية وحرّة ونثرية تتراوح مضامينها بين الهواجس الوجوديّة التي تتعلّق أساسا بالبحث عن الذات والمعنى في زمن المتغيرات السريعة وتتضمن تساؤلات الذات في مواجهة العالم مثل قصيدة (من أنا؟) أو قصيدة (هل عرفت ما المصير؟) في مجموعتي الشعرية الأولى (البحث عن الشقّ الآخر) وبين القضايا الوطنية والإنسانية الحياتية التي تتعلق بالتغني بالموطن والوطن والانتصار لقيم الحريّة وتسليط الضوء على معاني الصّمود والكرامة لدى الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصّة مثل قصيدة (جنّة دوبة) وقصيدة ( جنة العربان) وغيرها من القصائد المنشورة في مجموعتي الشعرية الثانية بعنوان (جنّة دوبة)      

س 3 من الشّعر إلى قصص الأطفال أوّلا لماذا؟ ثانيا هل هو خيار تربوي وأخلاقي سلوكي أم متعة لغوية أو أبعد من هذا؟

في الحقيقة التحوّل من الشعر إلى قصص الأطفال ليس قطيعة مع الشعر لأنّني مازلت أنظم الشعر وسأظل أنظمه لأنّه بالنسبة إليّ أصبح جزءا لا يتجزّأ من تجربتي الأدبية والدليل على ذلك أنّني نظمت إلى جانب القصائد الموجهة للكبار العديد من القصائد الشعرية الموجهة للأطفال في موضوع البيئة والموطن والوطن مثل قصيدة ( اجعلي الأرض جنانا… ) والتي مطلعها هو :  

                           يا شجيرات الجبال         اشرئبي للعــلالي

وانظري نحوي قليلا     علّك تشفي اعتلالي

واملئي الجوّ عبيرا        وانشريه في مجالي

سبّحي الله كثيـــــرا      واستمري في الوصال 

                        واجعلي الأرض جنانا     وأفيضي بالجمــــــــــال  

ومثل قصيدة: ( نحن ماء الينابيع ) وقصيدة (العلم الأحمر يا وطني ) وغيرها مع العلم أنّ هذه القصائد قد وقع تلحينها و أنشدها مجموعة من الأطفال في الكورال وهي موجودة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبناء على هذا فالانتقال إلى أدب الطّفل كان امتدادا طبيعيّا لتجربتي الأدبية نظرا لأنّ الطفل كان منذ البداية من ضمن الجمهور المستهدف في إطار ممارستي للكتابة الأدبية باعتبارها رسالة إنسانية تربويّة، تهدف أساسا إلى المساهمة في إغناء رصيد الطفل اللغوي والبلاغي والمعرفي والسلوكي وتعزيز القيم الإنسانية لديه هذا أوّلا، وثانيا أعتقد أنّ الانتقال إلى قصص الأطفال هو خيار تربوي وأخلاقي سلوكي لا بدّ منه وهو واجب على كلّ كاتب تونسي وعربي تجاه الطفل لذلك انخرطت فيه طوعا لا كرها وعن وعي تامّ، لذلك لا يمكن أن يكون هذا الانتقال مجرّد متعة لغويّة وإنّما هو انتقال هادف له غايات نبيلة، تتمثّل أساسا في ضرورة السعي إلى أن نكتب للطفل بلغة سليمة وممتعة تشدّ خياله وتصقل مواهبه وذائقته ، لذلك أسعى من خلال هذه القصص إلى أن أساهم في بناء رصيد لغوي و ثقافي ومعرفي يساعد الطفل على فهم الواقع ماضيا وحاضرا ومستقبلا وفهم الحياة فهما سليما وإعداده لمواجهة الصعوبات والتحدّيات الّتي يفرضها اليوم هذا العالم الافتراضي بمتغيراته السريعة على عقل الطّفل وسلوكه وشخصيته .       

س 4 ما هي أهمّ الرسائل التي اشتغلتم عليها في القصّتين ؟

تتنزل القصتان ( البطة الوفية ) و(النوارس والبجع) في إطار سلسلة قصص تحمل في طياتها العديد من الرسائل ، وقد صدرت منها إلى حدّ الآن القصّة الأولى والقصّة الثانية، وسأعمل على  إصدار بقية القصص تباعا، أمّا القصّة الأولى فهي (البطة الوفيّة) وهي قصّة تركّز على قيم الوفاء والتضحية في سبيل الوطن والإخلاص والحفاظ على العهد تجاه وطننا العزيز مهما كانت الظّروف، إضافة إلى إبراز أهمية الوحدة والتضامن والتآزر والتكافل والتعاون من أجل التصدّي للأعداء والمخاطر والعمل على النهوض بالوطن وتطويره وتخليصه من كلّ الأوضاع المتردّية والاستماتة في الدّفاع عنه إلى آخر رمق وهي رسائل تهدف إلى تربية الطّفل على المواطنة من خلال التذكير بواجب كلّ مواطن تجاه وطنه. وأمّا القصّة الثانية فهي قصّة ( النوارس والبجع) وهي قصّة تسلط الضوء على قيم السلام والوئام والتسامح والتعايش بين الأطياف المختلفة وقبول الآخر رغم اختلاف شكله وبيئته وطرح سبل الحوار من خلال التركيز على القضايا المشتركة والعمل على إيجاد حلول لها دون تناحر أو حروب قد تأتي على الأخضر واليابس وسنعمل على تناول مثل هذه الرسائل في مختلف قصص هذه السلسلة.      

س5 هل أنتم كغيركم مازلتم تراهنون على لسان الحيوان ليقول الكثير ولماذا ؟ 

لقد ثبت عبر التاريخ والأزمان أنّ الرهان على سرد القصص بلسان الحيوان ليقول الكثير رهان صائب وناجح، نظرا لأنّه أثبت فاعليته باعتباره أهمّ الأدوات الحكائية العابرة للأزمنة لعدّة أسباب لعلّ من أهمّها السببين التاليين : أوّلا نجاحه في تقريب المفاهيم الأخلاقية للطفل دون الوقوع في المباشراتيّة والوعظ الجافّ، وثانيا نجاحه في تحفيز مخيلة الطّفل وتوفير المساحة الآمنة لتشخيص المشاعر والحوارات بين الشخصيات البشرية، إلاّ أنّه لا يجب أن نراهن على لسان الحيوان فقط بل يمكن أن نراهن أيضا على لسان النبات بمختلف أنواعه والجماد بمختلف انتماءاته ولقد أصبحنا نرى اليوم تجارب قصصية عديدة تعتمد على شخصيات عالم الفلك مثل النجوم والكواكب والشمس والقمر و مثل السيارة والطائرة وغيرها وعلى شخصيات عالم الطبيعة مثل الأزهار والأشجار والأنهار والبحار والرياح والبراكين والجبال وغيرها وربّما مستقبلا يمكن المراهنة على لسان شخصيات العالم الافتراضي     

س6 هل هناك متابعة وحركة نقدية تواكب الكمّ القصصي المنشور في أدب الطفل ؟

إنّ المتابع للحركة النقديّة المهتمة بأدب الطفل في تونس يلاحظ غياب وجود مدرسة نقدية حقيقية تعتمد على معايير موحدة ودقيقة في دراسة أدب الطفل ومواكبته ونقده،وكلّ ما هنالك هو محاولات فرديّة لبعض النقاد تهدف إلى التعريف بالقصص المنشورة في أدب الطفل من حيث مضامينها وأساليبها وجودتها و الوقوف عند مدى ملاءمتها للشروط المطلوبة لذلك  أرى أنّ هذه المحاولات الفردية مازالت لم ترتق بعد لحركة نقديّة حقيقية من شأنها أن تواكب الكمّ الكبير للإنتاج القصصي الموجه للطفل حاليّا ، إذ يغلب عليها الصبغة الانطباعيّة أو القراءات الشكلية الاحتفائيّة. 

س7 هل نحتاج إلى منهج عربي ومدرسة نقديّة لها أسسها وقواعدها النقديّة ؟

أعتقد جازما أنّنا اليوم في أمسّ الحاجة إلى منهج علمي عربي جديد ومدرسة عربيّة نقدية علمية تحليلية حديثة ذات أسس متينة  تراعي الجوانب النفسية والتربويّة والجمالية لأدب الطفل، وتتكامل فيها التربية وعلم النفس وجمالية  التلقي اللغوية والبلاغية من أجل الاتفاق على تحديد معايير دقيقة تحرص على تقديم منتوج أدبي على درجة عالية من الجودة والتميّز.  

س8 ما هي مشاريعكم القادمة لأدب الطفل؟

إنّ انخراطي الطّوعي في الكتابة الأدبية لأدب الطفل باعتبارها رسالة إنسانية تربوية يجعلني متشبثا بمواصلة آداء هذه الرسالة النبيلة على أكمل وجه بالعمل المستمرّ على إصدار بقية قصص سلسلة المنارة لأدب الطّفل إضافة إلى العمل على إصدار سلاسل قصصية جديدة تغطي مختلف الفئات العمرية تقوم أساسا على الفانتازيا والمغامرة والاستكشاف مع التركيز على دمج المعرفة العلمية مع القيم الإنسانيّة بأسلوب لغويّ وفنيّ بصريّ شيق وجذّاب . 

س9 لماذا عجزنا حتّى اليوم على كتابة قصص تنافس كلاسيكياتنا ككتابات الكيلاني والقصص العالمية مثل بينوكيو وبائعة الكبريت مثلا؟

لا شكّ أنّ ما حقّقته كتابات الكيلاني والقصص العالمية مثل بينوكيو وبائعة الكبريت وغيرها من القصص الخالدة من نجاح منقطع النظير قد حجب الرؤية على بقية المحاولات القصصية الجادة الأخرى وقلّل من قيمتها وجعلها في نظر النقاد دون المستوى وعاجزة عن منافسة هذه الأعمال الكلاسيكيّة ، ويمكن أن نرجع ذلك إلى عدّة أسباب جوهريّة يمكن أن نجملها أوّلا في ما طغى على الكتابات المعاصرة من وعظ جاف وإرشاد مباشر في مقابل التضحية بالبناء الفنّي والعمق الإنساني، وثانيا في ما شهدته الساحة الأدبية من ضعف للتسويق والترجمة وغياب لمنظومة نشر احترافيّة ومؤسسات ثقافية تدعم الأدب الموجه للطفل وتعطيه الأولوية القصوى، وثالثا في استهانة بعض الكتاب بعقل الطّفل وهو ما جعلهم يخافون من طرح قصص تعتمد على التفكير الفلسفي العميق والمشاعر المركبة التي من شأنها أن تلبي الحاجيات العقلية للطفل.    

  • Related Posts

    الأهرام ويكلي في مراجعة نقدية لرواية (الترجمان): صخب المنفى

    قراءة نقدية للروائية والصحافية رنا محمد حسان. الأهرام ويكلي هل يمكن للغة أن تصبح وطنًا؟ وهل تستطيع الترجمة ألا تحفظ الكلمات وحسب، بل الذكريات والهويات والوشائج الهشة التي يحملها الإنسان…

    Africa Must Own Its Narrative – Adeboboye

    In the five years since the Congress of African Journalists (CAJ) was registered with the Corporate Affairs Commission in Nigeria, the organization has grown from an idea into a pan-African…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *