الأهرام ويكلي في مراجعة نقدية لرواية (الترجمان): صخب المنفى

قراءة نقدية للروائية والصحافية رنا محمد حسان. الأهرام ويكلي

أشرف أبو اليزيد، “الترجمان”، كلكتا: Penprints، 2026

هل يمكن للغة أن تصبح وطنًا؟ وهل تستطيع الترجمة ألا تحفظ الكلمات وحسب، بل الذكريات والهويات والوشائج الهشة التي يحملها الإنسان معه عبر الحدود؟ تلك هي الأسئلة التي تنهض عليها رواية «الترجمان»، رابعة روايات أشرف أبو اليزيد، التي صدرت مؤخرًا بترجمة إنجليزية في الهند. ورغم أن العنوان يحيل منذ الوهلة الأولى إلى مهنة الترجمة، فإن الرواية تكشف تدريجيًا أنها تتناول قضية أعمق بكثير؛ إنها تحكي عن الطرق اللامتناهية التي يحاول بها البشر ترجمة ذواتهم وهم يعيشون بين ثقافات متعددة، ولغات مختلفة، وأوطان متباعدة.

يعرف أشرف أبو اليزيد بوصفه شاعرًا وروائيًا ومترجمًا وصحفيًا ورحالة، وقد ظل ينظر إلى الترجمة باعتبارها فعلًا للحوار الحضاري، لا مجرد ممارسة لغوية. وهذه القناعة تتجسد في كل صفحة من صفحات «الترجمان»، حيث تتحول شخصية المترجم من وسيط خفي إلى المركز العاطفي والفلسفي للسرد.

تدور أحداث الرواية في المقام الأول في الكويت، حيث تلتقي جماعة متعددة الثقافات بفعل الهجرة. فإلى جانب الكويتيين، يعيش المصريون والهنود والفلبينيون والسوريون وغيرهم من الوافدين داخل نسيج اجتماعي واحد، يحمل كل منهم ذاكرة وطن آخر، ويواجه تعقيدات الانتماء في أرض ليست أرضه. وفي قلب هذه الشبكة من العلاقات تقف فوز، المرأة التي لا تزال تطاردها فاجعة فقدان زوجها أثناء الغزو العراقي للكويت، قبل أن تواجه بعد سنوات غيابًا مؤلمًا آخر. غير أن قصتها ليست سوى واحدة من قصص كثيرة، إذ تتسع الرواية تدريجيًا لتقدم لوحة بانورامية لحياة المغتربين.

ولا يقدم أبو اليزيد الهجرة بوصفها تجربة نمطية، بل يرسمها تجربة شخصية عميقة. فبعض الشخصيات تبحث عن فرصة، وأخرى عن الاستقرار، بينما يكافح كثيرون للتوفيق بين من كانوا في الماضي ومن أصبحوا عليه اليوم. أما الكويت فلا تبقى مجرد مكان للأحداث، بل تتحول إلى ملتقى تتقاطع فيه التواريخ والثقافات واللغات. والرواية لا تمجد المنفى ولا تختزله في المعاناة، بل ترصد التناقضات الوجدانية لحياة معلقة بين الرحيل والوصول، حيث يغدو الوطن أكثر حضورًا في الذاكرة منه على الخريطة.

ومن أبرز إنجازات الرواية بناؤها الفني الفريد؛ فهي تتكون من ثمانية وعشرين فصلًا يسرد كل فصل منها راوٍ مختلف. وهكذا ترفض «الترجمان» فكرة الراوي الواحد الذي يمتلك الحقيقة، إذ يضيف كل صوت قطعة جديدة إلى الصورة الكلية، فيجمع القارئ المعنى تدريجيًا من خلال تعدد الرؤى. ويستدعي هذا الأسلوب ما وصفه المؤلف نفسه ببناء «الفسيفساء»؛ فكل قطعة تبدو غير مكتملة منفردة، لكنها تكتسب معناها الكامل حين تجتمع مع غيرها.

ولا يقتصر تعدد الرواة على كونه تجربة شكلية، بل يعبر عن إحدى الأفكار الجوهرية في الرواية: فكل إنسان يفسر الواقع بطريقته، كما أن كل مترجم يفسر اللغة بطريقته. وهكذا تصبح الذاكرة، والحزن، والانتماء، بل وحتى الحقيقة نفسها، تجارب ذاتية تصوغها سيرة كل فرد. ومن ثم، فإن الشكل السردي يعكس مضمون الرواية، مؤكداً أن فهم الآخر لا يتحقق إلا بالإنصات إلى أكثر من صوت.

ويضيف المؤلف عنصرًا آخر من عناصر التماسك الفني، إذ يفتتح كل فصل باقتباس مختار بعناية، يمهد للقارئ الأفق النفسي الذي سيدخله. وهذه الاقتباسات ليست مجرد زينة نصية، بل مفاتيح موضوعية تستشرف ما سيأتي. فبعضها يعبر عن الاغتراب، متسائلًا: «ماذا نفعل لقلوب أسكتها شتاء الغربة؟»، وبعضها يصوغ هشاشة حياة المغترب في صورة بليغة: «بيوتنا في المنفى من زجاج، لا تكشف من يسكنها فحسب، بل تتحطم بسهولة أيضًا.» بينما تعكس اقتباسات أخرى تصدعات الأرواح التي يحملها الأبطال: «حياتي متصدعة بما يكفي، فلا تحتمل صدعًا جديدًا.» وهكذا تمنح هذه العبارات الرواية إيقاعًا تأمليًا ينسجم مع تعدد الأصوات ويعزز حسها الشعري.

وتظل الترجمة الاستعارة الكبرى في الرواية. فمهنة البطل لا تُقدَّم بوصفها مهارة تقنية، بل باعتبارها فعلًا من أفعال التعاطف الإنساني، يتطلب مشاركة وجدانية بقدر ما يتطلب معرفة لغوية. وفي أحد أكثر المقاطع دلالة يقول الراوي:

«قد تشغلني كلمة واحدة أيامًا. أراجع الموسوعات والمراجع القديمة والحديثة… إنهم يقرؤون بأعينهم، أما أنا فأترجم بعيني وعقلي وقلبي. وفي مهنتنا يسمونني “الترجمان”، لا مجرد مترجم.»

ويجسد هذا المقطع رؤية الرواية للترجمة باعتبارها اندماجًا كاملًا في عالم الآخر. فالترجمان ليس مختصًا في اللغة فحسب، بل جسرًا يربط بين الثقافات والتواريخ والتجارب الإنسانية. وفي تصور أشرف أبو اليزيد، تصبح الترجمة فعلًا للفهم قبل أن تكون نقلًا للكلمات.

ولا تقف هذه الفلسفة عند حدود الأدب، بل تمتد إلى مفهوم الحضارة ذاته. فالترجمة في الرواية هي إحدى القوى الأساسية التي تتواصل بها الحضارات، وتحفظ بها معارفها، وتجدد نفسها. وقد صرح أبو اليزيد في أكثر من مناسبة بأن «الترجمة هي القوة الدافعة للتقدم، وإهمالها هو أصل التراجع.» وهذه الرؤية تتردد في أنحاء الرواية كلها. حتى عنوانها يعكس هذا الأفق الحضاري؛ فكلمة «ترجمان» تحمل إرثًا تاريخيًا يشير إلى الوسيط الثقافي الذي يربط بين الشعوب والأفكار والحضارات.

ولا تقل أهمية عن ذلك رؤية المؤلف لفن الرواية نفسه. فأبو اليزيد يؤكد دائمًا أن الرواية الناجحة تقوم على البحث بقدر ما تقوم على الخيال؛ إذ ينبغي للكاتب أن يدرس المجتمعات والمهن والتواريخ والسلوك الإنساني قبل أن يحولها إلى عمل فني. وهذه الفلسفة تتجلى بوضوح في «الترجمان»، حيث تبدو البيئة متعددة الثقافات نابضة بالحياة لا مجرد موضوع للمراقبة، بينما يكشف تنوع الأصوات عن معرفة دقيقة بخصوصية كل مجتمع.

أما اللغة، فتحمل بصمة الشاعر الكامنة في الكاتب. فبدلًا من الزخرفة اللفظية، تعتمد الرواية على بناء أجواء وجدانية، تجعل المكان مرآة للحالة النفسية للشخصيات. وتتكرر صور السفر، والمسافة، والترجمة، لتنسج خيوطًا تربط بين الأصوات المختلفة، وتعزز موضوعات الهجرة والذاكرة والانتماء.

وإذا كانت الرواية تفرض على قارئها تحديًا، فإنه يكمن في طموحها البنائي؛ فوجود ثمانية وعشرين راويًا يقتضي من القارئ أن يعيد تموضعه باستمرار مع انتقال السرد من صوت إلى آخر. غير أن هذا التعقيد يخدم هدف الرواية في النهاية؛ فهي لا تقدم إجابات جاهزة، بل تدعو القارئ إلى تقبل الغموض، والإقرار بأن مجتمعًا تشكله الهجرة والتبادل الثقافي لا يمكن أن يفسره صوت واحد.

وقد أتاحت الترجمة الإنجليزية الأخيرة لهذا العمل الثري أن يصل إلى جمهور جديد، من دون أن يفقد روحه الكوزموبوليتية. وبين الكويت ومانيلا ودمشق وتورونتو ومومباي وغيرها من المدن، تذكرنا «الترجمان» بأن الهجرة ليست سوى عملية متواصلة لترجمة الذات.

إن «الترجمان» ليست رواية عن المترجمين فحسب، بل هي تأمل عميق في التواصل ذاته؛ بين الأفراد، والمجتمعات، والحضارات. ومن خلال تحويل الترجمة إلى موضوع للرواية وإلى منهجها السردي في آن واحد، يقدم أشرف أبو اليزيد قراءة إنسانية رفيعة لمعنى الانتماء في عالم مترابط، مؤكدًا أن أكثر الجسور رسوخًا لا تُبنى بالكلمات وحدها، بل بالإرادة الصادقة لفهم الحياة التي تكمن وراء تلك الكلمات.

الاهرام ويكلي. الخميس. السادس من أغسطس 2026

Related Posts

Africa Must Own Its Narrative – Adeboboye

In the five years since the Congress of African Journalists (CAJ) was registered with the Corporate Affairs Commission in Nigeria, the organization has grown from an idea into a pan-African…

رسالة زيرفان أوسى إلى شيركو بيكس في ذكراه

في ذكرى رحيل الشاعر الكردي شيركو بيكس [4 أغسطس 2013]. هذه الرسالة أرفعها إلى مقامهِ… 1_ فرسخٌ للشعر، وأنملة للحرب؛ الخيال طفلٌ، ما زال يرضعهُ الزمن، الفعل الوحيد الذي يجعلهُ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *