عبد الرازق عكاشة من مزاد «دروو» في باريس: بيكاسو الذي رحل عام 1973 وما زال العالم ينتظر جديده
بقلم: عبد الرازق عكاشة
طاب صباحكم من مطار القاهرة.

أعود إلى بيكاسو من جديد، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة؛ إلى أعمال لم تُرَ كثيرًا من قبل، وإلى كتب يمكن أن تكون أغلى من الذهب، وإلى رسوم ما زالت قادرة، بعد عقود من رحيل صاحبها، على أن تفتح أمام العين أبوابًا جديدة للدهشة.
قد لا يتخيل أحد في عالمنا العربي أن هناك كتبًا يمكن أن تكون أغلى من الذهب، مع أننا في الأصل أمة الكتابة والرسم والإبداع، قبل أن نتراجع ونتفرغ للنقل والغش والصراعات.

في صالة مزادات دروو (Drouot) في باريس، جلست في الصف الأول أستمتع بمزاد للوحات. كانت الصالة في Rue Drouot, 75009، بالقرب من مترو البورصة. جلست أتابع اللوحات وهي تنتقل من شاشة العرض إلى أيدي المشترين، حتى جاء الدور على أربعة كتب لبيكاسو.
لم أكن أصدق ما أسمعه من أسعار.
كان إلى جواري تاجر لوحات من اليابان، وآخر سويسري، بينما كنت أجلس في المنتصف، بنظارتي السوداء، محاولًا السيطرة على ابتسامتي. لم أكن أريد أن أسمع كلمة واحدة عن وجع عيني. كان ذلك يومًا للتنفس، ويومًا للطاقة الكبيرة. وأنا أحب هذه الأيام جدًا.
انتهى عرض اللوحات وبدأ عرض الكتب.
وهنا تبدلت أجواء المزاد. لم تعد الأوراق مجرد أوراق، ولا الكتب مجرد أوعية تحفظ صورًا أو نصوصًا. لقد أصبحت هذه الكتب، بما تحمله من أعمال وطبعات وتاريخ وتوثيق، جزءًا من تاريخ الفن نفسه.
وكانت المجموعة تضم المجلد الأول والثاني والثالث، إلى جانب كتابين آخرين عن الفنان الأروع، بابلو بيكاسو.
وهنا شعرت أن النصيب يكمل دوائره، وحمدت الله أن كتابي عن بيكاسو ما زال متأخرًا، حتى تضاف إليه هذه الفصول الجديدة، عن حكايات الفنان «إكس» الذي لم تنته حكايته بعد.
وكيف ينتهي الحديث عن بيكاسو، وهو الذي توفي عام 1973، وما زال العالم ينتظر الجديد منه؟
يكفي أن نرى معرضًا مثل معرض ماتيس، الذي يكشف وجهًا مشتركًا بين بيكاسو وماتيس، أو أن نجلس في مزاد بعد أكثر من نصف قرن من رحيل بيكاسو، لنكتشف أن الرجل لا يزال حاضرًا، لا في أعماله المعروفة فقط، بل في الكتب والرسوم والمطبوعات التي تكشف لنا جوانب لم نكن نعرفها من قبل.
الكتاب بوصفه عملًا فنيًا

في المزاد الأخير عُرضت مجموعة من الإصدارات، كان من بينها أربعة كتب، ثلاثة منها بقلم جورج بلوخ، وهو ناقد مهم، لكن الأهم من ذلك هو ما يحيط بالكتاب من عمل تحريري وفني وتوثيقي.
وقد تحدثت في هذا السياق مع الصديق الفنان القدير أحمد زيدان.
لقد تعلمنا، أو ما زلنا نتعلم، في باريس احترام الأدوار: الكاتب له دوره، والفنان له دوره، والمثقف له دوره، والمحرر له دوره، والناشر له دوره، وقاعة العرض لها دورها، والمنسق له دوره.
فالفنون والآداب والثقافة عمل جماعي، مع الاحتفاظ لكل طرف بدوره ومكانه.
وهذا يعني ألا يدعي جامع النصوص أو المحرر أو المحررة مكانة الكاتب، وألا يقلل الكاتب أو الفنان في المقابل من دور قاعة العرض أو المنسق أو المحرر.
الفن مرآة لثقافة المجتمع، وهو أيضًا تدريب على نكران الذات.
وهنا يحدثنا المؤلف جورج بلوخ عن دور المحررين، وعن كورنفيلد وكليبشتاين، وعن أهمية دار النشر وكل العناصر التي تشارك في صناعة الكتاب.

إن الكتاب الفني لا يصنعه الفنان وحده. خلفه تاريخ من التحرير والطباعة والتوثيق والنشر، وربما عشرات الأيدي التي تعمل حتى يصل إلى القارئ بوصفه وثيقة فنية وتاريخية.
ثلاثة مجلدات تختصر مسيرة بيكاسو
صدر أحد هذه الأعمال في برن بسويسرا عام 1968، وكان المجلد الأول يضم أعمال بيكاسو من عام 1904، قبل وصوله إلى باريس، حتى عام 1967.
إنه ليس مجرد كتاب عن بيكاسو، بل سجل بصري لمسيرة فنان استطاع أن يجعل الخط واللون والشكل لغة عالمية.
وقد كانت النسخ مطبوعة بتقنية الليثوغرافيا، أو الطباعة الحجرية.
بدأ سعر الكتاب في المزاد عند السعر الموجود على الإنترنت، وهو نحو 450 يورو، ثم ارتفع شيئًا فشيئًا، حتى وصل إلى المشتري الياباني مقابل ثلاثة آلاف يورو.
وأوضح مفوض المزاد أن هذه الأعمال يمكن أن تُعرض في إطارات منفصلة باعتبارها معرضًا لليثوغرافيا، أي للطباعة الحجرية لبيكاسو، في أي مكان في العالم، وأن مثل هذا المعرض يمكن أن يتحول إلى حدث فني عالمي كبير.
والسبب واضح: نحن أمام رسوم مهمة لم يعرفها العالم كثيرًا من قبل.
في عام 1971 صدر المجلد الثاني، ويضم رسوم الفترة من 1966 إلى 1969. وهي رسوم تكشف خطورة بيكاسو في الرسم، وجرأته في الخيال، وقدرته على تحويل الخط إلى كائن حي، وعلى جعل الرسم مساحة مفتوحة للجمال والإبداع.
هذه الأعمال تحديدًا تستحق أن تُعرض، لأن مشاهدة بعض هذه الرسوم تمنحنا فرصة لإعادة النظر في بيكاسو بعيدًا عن الصور النمطية التي التصقت باسمه.
ثم صدر عام 1979 المجلد الثالث، ويضم أعمال الفترة من 1970 إلى 1972.
هنا يصل الخط إلى ذروة أخرى من السرعة والحرية. خطوط قليلة، لكنها مشحونة بالطاقة. حركة تكاد تكون خاطفة، ومع ذلك لا تفقد قدرتها على بناء الشكل.
إنها أعمال تكشف مفهوم الحرية في الرسم، وتقدم نوعًا من الجمال الروحي الذي يسعد النفس ولا يستفز المشاعر، بل يتركها في حالة من السكون والتأمل.
بيكاسو الشاب يعود من كتاب صغير
وضمت المجموعة أيضًا كتابًا صغيرًا جدًا، يشبه كتب الجيب، لكنه كان أثمن مما يوحي به حجمه.
بدأ سعره من 400 يورو ووصل إلى نحو ألف يورو، بسبب حالته الجيدة، وبسبب ما يحتويه من رسوم ومطبوعات نادرة.
كان الكتاب قد أعيد طبعه بواسطة برنارد جيزر عام 1955، ويتضمن نقوش الفنان ومطبوعاته الحجرية التي أنتجها خلال الفترة من 1899 إلى 1931.
أي أننا أمام فترة الصبي والشباب كاملة تقريبًا.
وما أروع تلك اللحظة وأنت ترى رسوم شباب بيكاسو على شاشة كبيرة، بينما يمر الكتاب أمامك!
شيء يدهش ويمتع الجسد.
تجلس ثابتًا على كرسي في صالة المزاد، أمامك فنجان القهوة بالحليب، لكن قلبك يقفز فرحًا.
إنها حالة تشفي العليل.
فالفن، في لحظات معينة، لا يعود موضوعًا للنقد أو التاريخ فقط، بل يصبح طاقة جسدية ونفسية؛ يعيد ترتيب علاقتنا بالعالم.
حين يتحول الخط إلى ذاكرة
ثم بدأ القومسير في عرض المجلد الثاني، بقلم جيزر، بعنوان «الأعمال المنقوشة والمطبوعات أحادية اللون، من عام 1932 إلى 1934»، وقد طُبع عام 1968 عن دار كورنفيلد وكليبشتاين في سويسرا.
ثم بدأ الحديث عن مجموعة أخرى طُبعت في مونت كارلو.
وهنا لم أستطع إلا أن أقول:
كم أنت محظوظ يا بيكاسو!
غادرت عالمنا، لكنك استوطنت عالمك؛ ذلك الحوش الواسع الذي بنيته من الإبداع، وما زلت فيه حيًا.
بيكاسو الذي لا ينتهي
إن القيمة الحقيقية لهذه الكتب ليست في أسعارها وحدها، ولا في ندرة نسخها، ولا في كونها اقتنايات يمكن أن تباع في مزاد بمئات أو آلاف اليوروهات.
القيمة الأعمق أنها تجعلنا نعيد اكتشاف الفنان.
وهنا تكمن عبقرية بيكاسو: أنه لم يترك خلفه «أعمالًا» فقط، وإنما ترك سؤالًا مفتوحًا.
كل جيل يستطيع أن يدخل إلى عالمه من باب مختلف.
مرة من خلال الرسم، ومرة من خلال الطباعة الحجرية، ومرة من خلال النحت، ومرة من خلال الكتاب، ومرة من خلال علاقة بيكاسو بفنان آخر مثل ماتيس.
وهكذا يظل الفنان الكبير قابلًا لإعادة القراءة.
إن بيكاسو الذي رحل عام 1973 لم ينتهِ في ذلك العام.
ربما كانت تلك هي المفارقة الكبرى في حياة الفنان الحقيقي: أن موته البيولوجي لا يعني نهاية حضوره الفني.
وها أنا، في صالة مزادات في باريس، أرى كتبًا عمرها عقود تتحول إلى حدث حي، وأرى رسومًا قديمة تعيد إشعال الدهشة، وأرى جامعي الفن يتنافسون عليها، وأرى كيف يمكن لورقة مطبوعة قبل عشرات السنين أن تصبح اليوم أغلى من الذهب.
وهنا أفهم من جديد لماذا لا يموت الفن.
الفنان يمضي، لكن الخط يبقى.
واللوحة تبقى.
والكتاب يبقى.
والدهشة تبقى.
وربما لهذا السبب أيضًا، ما زال العالم ينتظر بيكاسو جديدًا من بيكاسو نفسه.





