الترجمة: ليست مجرد جسر بين الثقافات، بل عامل حقيقي في بناء الحضارة
مداخلة في الجلسة رفيعة المستوى حول التحديث الإنساني
إعداد: د. أشرف أبو اليزيد
مقدمة
حين نتحدث عن الترجمة، فإننا غالبًا ما نستحضر صورتها التقليدية بوصفها جسرًا يصل بين ثقافتين؛ لغة تعبر من ضفة إلى أخرى، ونصًا ينتقل من قارئ إلى قارئ، وفكرةً تتجاوز الحدود التي تفرضها اللغات. لكنني أرى أن هذه الصورة، على أهميتها، لم تعد كافية لوصف الدور الحقيقي للترجمة في عالمنا المعاصر.
فالترجمة ليست مجرد جسر نعبر عليه من ثقافة إلى أخرى، وإنما هي قوة فاعلة في صناعة الحضارة نفسها. فمن خلالها انتقلت الفلسفات والعلوم والآداب والأفكار، وحُفظت ذاكرة الشعوب، وتعارفت الحضارات، وتلاقحت التجارب الإنسانية، ونشأت حوارات غيرت مسارات التاريخ. إن الحضارة الإنسانية لم تُبنَ بلغات منفصلة، بل تشكلت عبر حركة دائمة من الأخذ والعطاء والترجمة والتأويل وإعادة إنتاج المعرفة.ومن هنا يأتي عنوان مداخلتي: «الترجمة: ليست مجرد جسر بين الثقافات، بل عامل حقيقي في بناء الحضارة».
أولًا: الترجمة بوصفها ذاكرة للحضارة
كل حضارة تمتلك ذاكرة، وهذه الذاكرة لا تسكن في الآثار والمتاحف وحدها، بل تسكن أيضًا في الكتب والقصائد والملاحم والحكايات والفلسفات. غير أن الذاكرة التي تبقى داخل لغة واحدة تظل، مهما بلغت عظمتها، محدودة الانتشار. وهنا تأتي الترجمة لتمنحها فرصة العبور إلى ذاكرة الإنسانية الأوسع. فالترجمة لا تنقل النص من لغة إلى أخرى فحسب، بل تمنحه حياة ثانية، وتحرره من حدود المكان والزمان واللغة. وما كان في الأصل جزءًا من ذاكرة شعب، يمكن أن يصبح، عبر الترجمة، جزءًا من الذاكرة المشتركة للبشرية.
ولنا في التاريخ أمثلة كبرى على ذلك.
بيت الحكمة: حين أنقذت الترجمة ذاكرة الحضارات
من أبرز الأمثلة التاريخية حركة الترجمة في العصر العباسي، ولا سيما في بيت الحكمة في بغداد. فقد انتقلت إلى العربية أعمال في الفلسفة والطب والفلك والرياضيات من اليونانية والسريانية والفارسية وغيرها. ولم تكن هذه العملية مجرد ترجمة لكتب أجنبية، بل كانت عملية إنقاذ للمعرفة الإنسانية وإعادة إنتاجها. فقد قرأ العلماء العرب مؤلفات أرسطو وأفلاطون وجالينوس وبطليموس، ولم يكتفوا بحفظها، بل ناقشوها وأضافوا إليها وطوروها. وهكذا أصبحت العربية في ذلك العصر لغةً لحفظ جزء كبير من التراث العلمي والفلسفي القديم، ثم انتقلت هذه المعارف لاحقًا من العربية إلى اللاتينية، لتؤثر في الفكر الأوروبي في العصور الوسطى. هنا نرى الترجمة وهي تعمل في اتجاهين: تحفظ الذاكرة، ثم تعيد إطلاقها نحو المستقبل من اليونانية إلى العربية ثم إلى أوروبا
يمكن أن نرى المسار نفسه في الفلسفة. فأعمال أرسطو التي وصلت إلى العالم الإسلامي عبر حركة الترجمة لم تبقَ مجرد نصوص محفوظة، بل أصبحت موضوعًا للتفسير والنقد والتطوير لدى فلاسفة مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد. ثم انتقلت أجزاء مهمة من هذا التراث الفلسفي، عبر الترجمة من العربية إلى اللاتينية، إلى أوروبا. وهكذا لم تكن الترجمة طريقًا لنقل كتاب فحسب، بل كانت طريقًا لانتقال الأسئلة الفلسفية نفسها بين الحضارات. لقد عبر أرسطو من اليونانية إلى العربية، ثم عبرت قراءات الفلاسفة المسلمين له إلى أوروبا. وفي كل مرحلة لم تكن الترجمة نهاية الرحلة، بل بداية لقراءة جديدة.
ألف ليلة وليلة: حين أصبحت الحكاية العربية عالمية
ومن أكثر الأمثلة وضوحًا «ألف ليلة وليلة». فقد عاشت هذه الحكايات في فضاء عربي وشرقي، ثم انتقلت إلى أوروبا عبر الترجمات، وأصبحت شهرزاد وشهريار وعالم الحكايات الشرقية جزءًا من المخيلة الأدبية العالمية. ومن خلال الترجمات الأوروبية، ألهم الكتاب عددًا هائلًا من الكتاب والفنانين والموسيقيين والمسرحيين. وهكذا لم تعد «ألف ليلة وليلة» مجرد مجموعة حكايات من التراث العربي، وإنما تحولت إلى ذاكرة سردية عالمية. وهذا يوضح أن الترجمة لا تحفظ الذاكرة فقط، بل تستطيع أيضًا أن تعيد تشكيل صورتها في وعي الآخرين.
أدب روسيا في اللغات الأخرى
ويمكن أن ننتقل إلى مثال أقرب إلى الأدب الحديث: الأدب الروسي. فلو بقيت أعمال تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وبوشكين داخل اللغة الروسية، لكان تأثيرها العالمي أكثر محدودية. لكن ترجمتها إلى العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية وغيرها جعلت شخصياتها وأسئلتها الأخلاقية والفلسفية والنفسية جزءًا من تجربة القراء في أنحاء العالم. القارئ العربي، مثلًا، لم يحتج إلى أن يتعلم الروسية لكي يدخل عالم دوستويفسكي أو يتأمل أسئلة تولستوي عن الإنسان والمجتمع والأخلاق. هنا تصبح الترجمة وسيلة لتوسيع الذاكرة الأدبية لشعب لتصبح جزءًا من ذاكرة شعوب أخرى.
من الشعر الفارسي إلى العالم
والأمر نفسه ينطبق على الشعر الفارسي. فمن خلال ترجمات أعمال جلال الدين الرومي وعمر الخيام وحافظ الشيرازي، وصلت أصوات شعرية نشأت في فضاء فارسي إلى قراء في أوروبا وآسيا والعالم العربي. وبفضل هذه الترجمات، لم يعد الرومي شاعرًا فارسيًا فحسب؛ أصبح حضوره جزءًا من الحوار العالمي حول الحب والروح والإنسان. لكن المثال يذكرنا أيضًا بمسؤولية المترجم؛ لأن نقل الشعر أصعب من نقل المعلومات. فالمترجم لا ينقل المعنى المعجمي فقط، وإنما يحاول نقل الإيقاع والصورة والمجاز والروح الثقافية للنص.
الترجمة تحفظ أيضًا ذاكرة شعوب الاقليات
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية. فالترجمة لا ينبغي أن تكون حركة من اللغات الكبرى إلى اللغات الكبرى فقط. إن بعض أهم وظائفها الحضارية هي أن تمنح الشعوب واللغات الأقل انتشارًا فرصة لأن تُسمع أصواتها عالميًا. شاعر من منغوليا، أو كاتب من أفريقيا، أو روائي من آسيا الوسطى، قد يكتب نصًا عظيمًا، لكنه يظل غير معروف عالميًا إذا لم يجد مترجمًا ينقله إلى لغات أوسع انتشارًا. وعندما يُترجم هذا النص إلى العربية أو الإنجليزية أو الإسبانية أو الصينية، فإن المترجم لا ينقل كتابًا وحسب؛ بل ينقل جزءًا من ذاكرة شعب إلى الذاكرة الإنسانية المشتركة. وهنا تظهر المسؤولية الأخلاقية للترجمة: ألا تكتفي بنقل ما هو مشهور، بل تبحث أيضًا عن الأصوات التي تستحق أن تُسمع.
الترجمة بين الذاكرة والنسيان
ومن هنا يمكننا أن نفهم الترجمة في مواجهة النسيان. فالنسيان ليس دائمًا نتيجة مرور الزمن؛ أحيانًا يكون نتيجة العزلة اللغوية. قد يكون هناك شاعر عظيم في لغة لا يتحدث بها إلا عدد محدود من الناس، وقد تكون هناك رواية تختزن تجربة تاريخية لشعب كامل، أو يوميات توثق حربًا أو هجرة أو مأساة، لكنها تظل مجهولة خارج تلك اللغة. إذا جاءت الترجمة، فإنها تفتح نافذة. وبذلك يصبح المترجم، في المعنى الأعمق، حارسًا للذاكرة الإنسانية. إنه يقول للنص: لن تظل هنا وحدك. سأحمل صوتك إلى مكان آخر.
الترجمة تمنح الذاكرة حياة ثانية
ولهذا فإنني لا أرى الكتاب المترجم نسخة ثانية من الكتاب الأصلي. أراه حياة ثانية للكتاب. فالكتاب الأول وُلد في لغة وثقافة ومكان محدد، أما الكتاب المترجم فيولد من جديد أمام قارئ لم يكن جزءًا من بيئته الأولى. ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة دور المترجم: المترجم ليس من ينقل ذاكرة من لغة إلى أخرى فقط؛ إنه من يوسع دائرة أصحاب هذه الذاكرة. وعندما نحتفي بكتاب مترجم ومؤلفه ومترجمه، فإننا في الحقيقة نحتفي برحلة ذاكرة إنسانية عبر الحدود. وهذه هي النقطة التي تجعل الترجمة عاملًا في بناء الحضارة: الحضارة لا تتقدم فقط عندما نكتشف أفكارًا جديدة، بل أيضًا عندما نمنع الأفكار القديمة والجميلة من أن تموت داخل حدود اللغة التي وُلدت فيها.
ثانيًا: الترجمة وصناعة المعرفة
لم تتطور المعرفة الإنسانية في جزر منفصلة؛ بل كانت دائمًا ثمرة رحلات بين اللغات والحضارات. والعلوم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والفنون انتقلت عبر التاريخ من مجتمع إلى آخر، وكانت الترجمة إحدى أهم وسائل هذا الانتقال.
في العصر العباسي، أسهمت حركة الترجمة في بغداد في نقل مؤلفات يونانية وفارسية وسريانية إلى العربية. ولم يتوقف الأمر عند الترجمة، بل بدأ العلماء العرب والمسلمون في شرح هذه المعارف ونقدها وإضافة الجديد إليها.
ومن الأمثلة البارزة الطب؛ فقد تُرجمت مؤلفات جالينوس وغيرها إلى العربية، وأصبحت جزءًا من المعرفة الطبية التي طورها علماء مثل الرازي وابن سينا، ثم انتقلت مؤلفاتهم لاحقًا إلى اللاتينية، لتؤثر في الطب الأوروبي.
وفي الفلك والرياضيات، ساعدت حركة الترجمة على انتقال المعارف بين الهند والعالم الإسلامي وأوروبا. وهكذا لم تكن الترجمة مجرد نقل للمعلومات، بل كانت وسيلة لكي تُختبر المعرفة وتُراجع وتُطور في بيئات جديدة.
وفي الفلسفة، كان انتقال أعمال أرسطو إلى العربية نقطة تحول مهمة. فقد أصبحت كتبه موضوعًا للدرس والتفسير لدى الفارابي وابن سينا وابن رشد، ثم انتقلت أجزاء من هذا التراث إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية.
وهذا يعني أن الترجمة لا تنقل المعرفة الجاهزة فقط؛ إنها تضعها أمام عقول جديدة. وعندما تنتقل الفكرة إلى لغة أخرى، فإنها تدخل مجالًا جديدًا للنقد والمقارنة والإضافة، وقد تعود إلى العالم في صورة أكثر تطورًا.
وفي العصر الحديث، نرى التأثير نفسه في انتقال الأدب والفكر والعلوم الاجتماعية. فترجمة أعمال تولستوي ودوستويفسكي، مثلًا، لم تجعل الأدب الروسي معروفًا عالميًا فحسب، بل أدخلت أسئلته حول الإنسان والمجتمع والأخلاق إلى نقاشات ثقافية في لغات عديدة.
والأمر ذاته ينطبق على ترجمة الأعمال العلمية والفكرية المعاصرة. فالبحث الذي يبقى بلغة واحدة قد يظل محدود التأثير، بينما تمنحه الترجمة فرصة لأن يُقرأ ويُناقش ويُستثمر في جامعات ومراكز بحث ومؤسسات في بلدان أخرى.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الترجمة هو استثمار في صناعة المعرفة نفسها. فنحن لا نمول انتقال الكتب من رف إلى رف، وإنما نمول انتقال الأفكار من عقل إلى عقل، ومن مجتمع إلى مجتمع.
وفي هذا المعنى، يمكن القول إن تاريخ الترجمة هو جزء من تاريخ المعرفة الإنسانية؛ لأن كل ترجمة ناجحة تفتح للمعرفة مجالًا جديدًا للحياة والتطور.
ثالثًا: الترجمة بوصفها صناعة للحوار
العالم المعاصر لا يعاني من نقص في المعلومات بقدر ما يعاني أحيانًا من نقص في الفهم المتبادل. قد نعيش في عالم متصل رقميًا، ولكننا لا نزال بحاجة إلى أن نفهم كيف يفكر الآخر، وكيف يرى تاريخه، وما الذي يشكل ذاكرته، وما الذي يمنحه الأمل أو يسبب له الخوف. وهنا تصبح الترجمة أداة للحوار الإنساني. فعندما نترجم رواية أو قصيدة أو دراسة أو سيرة ذاتية، فإننا لا ننقل الكلمات فقط، بل ننقل تجربة إنسانية. نحن نقول للقارئ: انظر إلى هذا العالم من خلال عيون إنسان آخر. ومن هنا تبدأ المعرفة الحقيقية بالآخر، ويبدأ الحوار.
رابعًا: من ترجمة الكلمات إلى ترجمة الحضارات
الترجمة الأدبية تحديدًا تكشف لنا أن المترجم لا يترجم الكلمات وحدها. إنه يترجم السياق والرمز والذاكرة والعاطفة والصورة الثقافية. والمترجم المبدع يحتاج إلى أن يكون قارئًا للثقافات بقدر ما هو قارئ للغات. إنه يتحرك في منطقة دقيقة بين الأمانة للنص والأمانة للمتلقي. وبذلك تتحول الترجمة من عملية تقنية إلى فعل إبداعي وحضاري.
خامسًا: الترجمة وبناء الحضارة الإنسانية المشتركة
الحضارة لا تُبنى بالأسوار. إنها تُبنى عندما تنتقل الأفكار، وتتلاقى التجارب، ويصبح ما ينتجه شعب ما متاحًا لشعوب أخرى. ومن هنا فإن الترجمة تساهم في بناء مفهوم أوسع للإنسانية؛ مفهوم لا يلغي الخصوصيات الثقافية، وإنما يجعلها جزءًا من فسيفساء عالمية. إننا لا نحتاج إلى عالم تتشابه فيه الثقافات، بل إلى عالم تتعرف فيه الثقافات إلى بعضها البعض وتحترم اختلافاتها. والترجمة هي إحدى أهم الأدوات لتحقيق ذلك. فهي لا تقول لنا: كن مثل الآخر. بل تقول: اعرف الآخر، وافهمه، ثم تحدث معه.
سادسًا: الترجمة كدبلوماسية ثقافية
يمكن للترجمة أن تقوم بدور بالغ الأهمية في بناء السلام. فالدبلوماسية الرسمية تتحدث عبر الحكومات والمؤسسات، أما الترجمة الأدبية فتفتح بابًا مختلفًا: دبلوماسية الشعوب. حين يقرأ شاعر عربي شاعرًا صينيًا، أو يقرأ كاتب أفريقي رواية من أوروبا، أو يكتشف قارئ آسيوي أدبًا من أمريكا اللاتينية، فإن علاقة إنسانية جديدة تبدأ. وقد تكون هذه العلاقة أكثر عمقًا واستدامة من كثير من اللقاءات الرسمية. ولهذا فإن دعم الترجمة يجب أن يكون جزءًا من السياسات الثقافية الدولية، وليس نشاطًا هامشيًا في قطاع النشر.
سابعًا: الاحتفاء بالكتاب المترجم وأصحابه
وهنا أود أن أقترح جانبًا عمليًا أراه مهمًا للغاية: أن نحتفي بالكتاب المترجم مع مؤلفه ومترجمه، لا بالكتاب وحده. فعندما يصدر كتاب مترجم، فإن الحدث لا ينبغي أن ينتهي عند لحظة الطباعة. يمكن أن يتحول الكتاب إلى مناسبة للحوار بين المؤلف والمترجم والقراء. يمكن تنظيم أمسيات بعنوان: «الكتاب في لغته الجديدة» يشارك فيها المؤلف، والمترجم، والناشر، ونقاد وقراء من اللغة الجديدة.
وفي هذه المناسبة لا نحتفل بصدور الكتاب فقط، بل نحتفل برحلته من لغة إلى لغة، ومن ثقافة إلى ثقافة. يمكن للمؤلف أن يتحدث عن ظروف كتابة العمل، بينما يشرح المترجم التحديات التي واجهها في نقله إلى اللغة الجديدة، ويتحدث الناشر عن أهمية وصول الكتاب إلى جمهور جديد. وهكذا يصبح الكتاب المترجم حدثًا ثقافيًا حيًا، وليس مجرد منتج على رف مكتبة. وأقترح كذلك إنشاء تقليد ثقافي يمكن أن نطلق عليه:«احتفالات الكتاب المترجم» بحيث تُقام فعاليات دورية للاحتفاء بأهم الكتب التي انتقلت بين اللغات، مع دعوة المؤلفين والمترجمين إلى لقاءات مشتركة، وتنظيم قراءات متعددة اللغات، ومعارض للطبعات الأصلية والمترجمة، ونشر حوارات حول تجربة الترجمة.إن الاحتفاء بالكتاب المترجم هو في الحقيقة احتفاء بالمترجم نفسه. فغالبًا ما يعرف القارئ اسم المؤلف، بينما يبقى اسم المترجم في الظل، رغم أنه الشخص الذي فتح للكتاب باب الوصول إلى ثقافة جديدة. المترجم شريك في صناعة الكتاب وعلينا أن نعيد النظر في صورة المترجم. المترجم ليس موظفًا يعمل خلف النص. إنه شريك في رحلة الكتاب. وقد يكون المترجم هو السبب في أن يكتشف قارئ في بلد بعيد كاتبًا لم يكن يعرفه. ولهذا يجب أن يحصل المترجم على التقدير الذي يستحقه، وأن يُذكر اسمه بوضوح على الغلاف، وفي الفعاليات، وفي الأخبار والمواد الإعلامية المتعلقة بالكتاب. بل يمكن أن تصبح الجوائز الأدبية الدولية أكثر اهتمامًا بالترجمة، وأن تُمنح جوائز مشتركة للمؤلف والمترجم عندما يكون العمل المترجم نموذجًا رفيعًا للتعاون الإبداعي.
وأشعر بسعادة خاصة لأنني لم أكتفِ بترجمة هذه الكتب والدواوين إلى لغات أخرى، بل أتيحت لي فرصة الاحتفاء بها إلى جانب مؤلفيها، وفي أوطانهم أو في محافل ثقافية دولية؛ إذ تحولت الترجمة بالنسبة إليّ من فعل نقل للنص إلى مناسبة للقاء والحوار والتقارب بين المبدعين.
احتفلت في كوريا الجنوبية مع الشاعر الكوري الكبير كو أون بكتابه «ألف حياة وحياة»، كما احتفلت في مومباي بالهند مع الشاعر الهندي هيمانت ديفاتي بترجمة ديوانه «فضاء رتيب يبعث على الكآبة». وفي تايوان شاركت شعراءها الاحتفاء بأنطولوجيا «أربعة شعراء هاكا من تايوان»، إلى جانب الشاعرة مياو يي تو والاحتفاء بديوانها «هنّ بنات سيرايا». وفي القاهرة احتفلت مع الشاعرة مارجريتا آل بترجمة ديوانها «أبريوريوم»، بينما كان لي في كازاخستان موعد آخر مع الشاعر الصيني تشاو شوي، حيث احتفلنا بكتابه «ملحمة أوراسيا». أما المحطة المقبلة، فستكون في كينيا الشهر القادم، حيث نحتفي مع الشاعر كريستوفر أوكيموا بترجمة ديوانه (حياة فانية). هذه التجارب تؤكد لي أن الكتاب المترجم لا ينبغي أن يكون نهاية رحلة النص، بل بداية رحلة جديدة؛ رحلة يلتقي فيها المؤلف بالمترجم والقارئ، وتتجاوز فيها الكلمة حدود اللغة والجغرافيا لتصبح مساحة للحوار الإنساني والثقافي.
تاسعًا: الترجمة في العصر الرقمي
لقد فتحت التكنولوجيا أبوابًا جديدة للترجمة. فالكتاب الذي كان يحتاج سنوات طويلة للوصول إلى قارئ في بلد آخر يمكن اليوم أن ينتقل بسرعة غير مسبوقة. لكن السرعة لا ينبغي أن تكون على حساب الجودة. فالذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية يمكن أن تساعد المترجم، لكنها لا تلغي الحاجة إلى الوعي الثقافي والحس الأدبي والخبرة الإنسانية. فالآلة قد تتعرف إلى معنى الكلمة، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تدرك لماذا اختار الكاتب هذه الكلمة في هذا الموضع، وما الذي تعنيه في ذاكرة شعب بأكمله. ولذلك سيكون مستقبل الترجمة، في رأيي، قائمًا على التعاون بين التكنولوجيا والإنسان، لا على إلغاء أحدهما للآخر.
أولًا: من المبادرات الفردية إلى المشاريع المستدامة
إذا أردنا أن تصبح الترجمة عاملًا حقيقيًا في بناء الحضارة، فعلينا أن ننتقل بها من المبادرات الفردية المتفرقة إلى مشاريع ثقافية مستدامة تحظى بالدعم والتخطيط والتعاون الدولي. وهذا يتطلب برامج دولية لترجمة الأدب بين اللغات، وصناديق لتمويل الترجمة والنشر، وشبكات تجمع المؤلفين والمترجمين والناشرين، إلى جانب برامج إقامة للمترجمين وورش متخصصة في الترجمة الأدبية. فالترجمة تحتاج إلى بيئة مؤسسية تضمن استمرارها، وتمنح المترجم والمؤلف فرصة للعمل والتفاعل، وتتيح للكتب أن تعبر الحدود بصورة منتظمة لا استثنائية.
ثانيًا: بناء فضاء عالمي للكتاب المترجم
لا يكفي أن نترجم الكتب؛ بل علينا أن نمنحها حياة جديدة بعد الترجمة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال جوائز دولية للمؤلفين والمترجمين، ومنصات رقمية تجمع الكتب المترجمة وتتيح الوصول إليها، ومهرجانات تحتفي بالأعمال العابرة للغات، فضلًا عن لقاءات تجمع المؤلفين والمترجمين والقراء. وقد يكون الاحتفاء بالكتاب المترجم مع مؤلفه ومترجمه أحد أهم هذه التقاليد؛ لأن الترجمة عندئذ تتحول من عملية نشر إلى حدث ثقافي وحوار إنساني. وبهذه المنظومة يمكن أن تتحول الترجمة من نشاط ثقافي محدود إلى بنية تحتية للحوار الحضاري.
ثالثًا: حين تتحدث الحضارات إلى بعضها
عندما نترجم كتابًا، فإننا لا ننقل حروفًا من لغة إلى أخرى، بل ننقل صوت إنسان إلى إنسان، وذاكرة إلى ذاكرة، وتجربة إلى تجربة، وحلمًا إلى حلم. لذلك أرى أن الترجمة أكبر من مجرد جسر؛ فالجسر يتيح العبور، أما الترجمة فتخلق اللقاء، واللقاء بداية المعرفة، والمعرفة بداية الفهم، والفهم أساس الحوار، والحوار أحد شروط بناء الحضارة والسلام. وفي عالم تتزايد فيه الحواجز السياسية والجغرافية واللغوية، تصبح الترجمة فعلًا لمقاومة الانغلاق، وتأكيدًا على أن اختلاف اللغات لا يعني اختلاف الإنسانية. ومن هنا رسالتي: فلنترجم أكثر، ولنقرأ أكثر، ولنحتفِ بالكتاب المترجم ومؤلفه ومترجمه؛ لأن كل كتاب يعبر إلى لغة جديدة يفتح نافذة جديدة على الحضارة الإنسانية. فالترجمة ليست جسرًا بين الثقافات فحسب، بل إحدى الطرق التي بنت بها الإنسانية حضارتها، ولا تزال تبني بها مستقبلها.
د. أشرف أبو اليزيد





