فيل في الغرفة!

نص سردي للشاعر والكاتب

ممدوح التايب

حتى لا يصدمكم كلامي، كما جرى مع مديري في الشغل، فالذي حصل وببساطة أني حين صحوتُ أمس وجدت فيلاً في غرفتي.

أعرف كل ما يدور في بالكم. فيل في الغرفة! فجأة!
نعم والله هذا ما حصل.
فيل حقيقي لا أعلم حتى هذه اللحظة كيف دخل من الباب. طيب، سأتغاضى عن مسألة الباب، ولنفترض أني نمت نوماً ثقيلاً ليلتها، وقام أحدهم بخلع جدران الغرفة والسقف وترك الفيل محمولاً من الجو في الغرفة، ثم أعاد تركيب كل شيء، وأنا أُشخر. كيفَ بقي الفيل ليلة بكاملها، أو نصفها، دون أن يحس بالتوتر؟ يعني هو في النهاية حيوان لديه مخ ومشاعر. المهم أني حين استيقظتُ شعرت بزلومته ممدودة فوق جسدي، وهو يبرك على الأرض يحدق فيّ.

فيل! قلت وأنا أفكر في ماهية هذا الكائنِ أمامي يسد بمؤخرته باب الغرفة، فاضطررت للصعود فوقه والنزول حتى أدخل الحمام. وعدت مرة أخرى لأخرج ملابسي من الدولاب. ومرة أخرى صعدت ثم نزلت لأدخل المطبخ وأفطر، وعدت مجدداً لأحمل حقيبتي من على الكوميدينو. لكن جاءت مشكلة الخروج، فمؤخرته تسد البابَ ورأسه تخبط الشباك، وعندما حاولت أن أحركه قليلاً، فشلت، لأنه فيل، وزنه ثقيل بالفعل، وأنا أسكن في الطابق الثالثِ، فحتى فكرة النزول من الشباك عبر ربط الملاءات فكرة فاشلة. أولاً لأني أملك ملاءة واحدة قصيرة لا تغطي كامل السرير، ولأن الأمر سيبدو مريباً للجيران، أكثر من وجود فيل في الجوار.

انتظرتُ لساعة على سريري أنظر له وينظر لي. حتى وجدته يقف وترتطم رأسه بالسقف أولاً، فخلع المروحة، وأصبح رأسه عند الدولاب ومؤخرته تسد الحمام، لكنه أفسح لي لأخرج.

ركضتُ لألحق الباص قبل أن أضيع ساعة أخرى، وعندما وصلت المكتبَ وجدت المدير في مدخله في انتظاري. الحقيقة أن مديري في الشغل رجل خلوق، لا يشتمني إلا ثلاث مرات في اليومِ، ويخصم لي فقط نصف راتبي الشهري، وأحياناً يهددني بالرفد مرة أو مرتين في اليوم. لكنهُ هذه المرةَ قابلني بوجه أكثر صرامة، وقبل أن يسأل قلت له صراحة أعتذر، أخرني فيل في غرفتي عن الخروج. صدمه كلامي أول الأمر، لكنه رويداً أخذ معي وأعطى فيما علي فعله حتى لا أتأخر مرة أخرى فيتعطل الشغل. اقترح أن أترك له الغرفة واستأجر أخرى، ويفضل أن تكون قريبة. لكني للتو دفعت إيجاري الشهري مقدماً، وليس بمقدوري استرداده، وعلي حينها دفع مقدم لأخرى، ولأنه خصم بالفعل نصف راتبي فالأمر مستحيل.

عموماً أبقيت اقتراحه مؤجلاً، وقضيت يومي مشغولاً بفيلي. أقول فيلي كأنه يخصني! ماذا تأكل الأفيال؟ بعد الجوجلة عرفت أنه يأكل العشب والأغصان والجذور والفواكه، لكن بكميات كبيرة. من أين لي أن أحصل على كمية كهذه يومياً، وقد تورطت في السكن لمدة لا أعلمها مع فيل. ولو تركته بلا طعام يموت، ويتعفن، وأتورط حينها مع الجيران بصدد الرائحة. مشكلة.

رجعت إلى غرفتي متوقعاً أنه يرقد خلف الباب، وحين حاولت فتحه لم ينفتح بالكامل، وسرعان ما انغلق. بعدها سمعت صوت حركة في الداخل، وحين حاولت فتحه انفتح، لقد أفسح لي حتى أدخل، وبدا أنه فيل متعاون بالفعل. ثم رجع إلى وضعه بعد دخولي، مؤخرته تسد الباب ورأسه بالقرب من النافذة. المعاناة الحقيقية كانت في الصعود والنزول من على جسده الضخم للدخول إلى الحمام والمطبخ. ولأنه شغل جل مساحة الغرفة، تناولت طعامي في المطبخ، وأنا أفكر فيما سأطعمه.

ناولته حبتي جزر فأكلها كما لو كانتا حبتي لب، ونظر لي بعدها في ترقب للمزيد. أخرجت كل ما في الثلاجة من فواكه، فبالكاد قضمها كلها مرة واحدة. وفكرت بعدها في الماء، فالأفيال حسب جوجل تشرب كميات كبيرة من الماء، لكن زلومته ناحية الشباك بعيداً عن المطبخ والحمام. ولو حملت له بالدلو سيكون علي الصعود بالدلو والنزول في حذر. وقبل أن أصل لحل تحرك ولف جسده ليقابل الحمام ليمد زلومته نحو الحوض، فأغلقت صرفه وفتحت الماء، وبدأ يملأ منه بزلومته ويشرب في لهو ويرش على الحوائط. فهو فيل في النهاية.

المشكلة أنه وهو يلف جسده حطم سريري بمؤخرته الضخمة. وزاد الأمر سوءاً أنه تغوط عليه فوسخ مرتبتي. حاولت فعل أي شيء لأحمل خراء هذا الكائن لكني عجزت أصلا للوصول إليه. فوصلت للمطبخ بصعوبة وجلست على الأرضِ أراقبه لعله يغير في وضعيته ليسمح لي بحمل غائطهِ مع الملاءة، ثم غسلها في الحمام، لكنه بقي على هذه الوضعية لساعة أخرى، وحين فهم أنه أطال في الأمر تحرك على وضعيته الأولى ليسد باب الغرفة. حملت غائطه مع الملاءة وتخلصت منه في المرحاض وغسلت الملاءة، لكنه كان قد سد النافذة فتعذر علي نشر الملاءة. وانتظرتُ لساعة أخرى حتى غير من وضعيته ليسد الحمام، وخفت لو تغوط مرة أخرى على السرير، وحتى نشرت الملاءة لم يفعل.

نمت هذه الليلة في المطبخ على البلاط، وحين استيقظتُ لم أجد الفيلَ، وقبل أن أظن أنني كنت في حلم طويل، وجدت سريري محطماً، والمرتبة ممزقة، والدولاب متكسر على الأرض، وباب الحمامِ مخلوعاً، والحوض مهشماً على الأرض بينما الحنفية مخلوعة والماء ينهمر مغرقاً البلاط. حاولت لمدة ساعة أن أصلح الأمر بعدما أغلقت المحبس الرئيسي، وعلى عجل غيرت ملابسي دون أن أفطر هذه المرة، لألحق بالباص. وحين وصلت العملَ، وجدتُ المدير عند الباب في انتظاري، ليخبرني ببساطة أني مفصول من عملي لأنني تأخرت ليومين متتالين بلا عذر مقنع.

  • Related Posts

    شاعر الكلمة المقاتلة … إفندي منصوروفيتش كابييف

    Effendi Kapiev  1909 – 1944  إبراهيم إستنبولي   سوريا – طرطوس   روائي وباحث أدبي وناشر وشاعر ومترجم سوفيتي داغستاني. كتب بالروسية واللاكية والقوموقية. وُلد إفندي كابييف في 13 آذار عام 1909 في قرية قوموخ الداغستانية لعائلة من الحرفيين وصائغي المجوهرات. أمضى طفولته في مدينة ستافروبول مع والده، الذي كان يعمل كمهاجر إلى روسيا. وهناك، تعلم اللغة الروسية وتعرّف على أشعار بوشكين وكولتسوف. في عام ١٩١٩، عادت عائلة كابييف إلى داغستان واستقرت في تِمير خان شورا (أصبح اسمها  بويناكسك عام ١٩٢٢)، حيث نشأ إفندي في دار للأيتام، ثم أُرسل إلى مدرسة داخلية لأطفال الجبال في كلية بويناكسك التربوية. عمل مدرسًا للغة الروسية في قرية أكساي التابعة لناحية قوموق… بدأ مسيرته الأدبية عام ١٩٣١، عندما نُشرت قصة كابييف القصيرة “تمَّ تنفيذ  الحكم” في صحيفة “داغستان الحمراء”. شغل منذ بداية عام 1932 منصب السكرتير التنفيذي لجمعية الكتاب البروليتاريين في داغستان. وشارك في التحضير للمؤتمر الأول لكتاب داغستان الذي عقد عام 1934 برئاسة مكسيم غوركي. انتخب مندوبًا إلى  المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوفييت. وقد التقى على هامش المؤتمر مع مجموعة من كتاب الاتحاد والجمهوريات المستقلة، ومع أ. م. غوركي في منزل هذا الأخير قرب موسكو، حيث قرأ ترجماته الشعرية. وفي العام نفسه، أصبح عضوًا في اتحاد كتاب الاتحاد السوفييتي الذي تأسس حديثًا. في عام 1935، نُشرت في موسكو أول مختارات داغستانية بعنوان “داغستان”، جمعها وحررها كابييف، عن دار النشر الحكومية “خودوجيستفينايا ليتراتورا”. انتقل عام 1935 إلى مديتة بياتيغورسك في إقليم ستافروبول الروسي، حيث عمل في هيئة تحرير صحيفة “الشاب اللينيني”. انخرط منذ عام 1937 في العمل الأدبي ككاتب محترف، وراح يتنقل على نطاق واسع في أنحاء داغستان، حيث قام بجمع وتسجيل المواد الفولكلورية وأعمال الشعراء الداغستانيين وممثلي الشعر الشفوي. شارك عام ١٩٤٠ في مؤتمر عموم الاتحاد لعلماء الفولكلور في موسكو. وفي عام 1940، نُشر في موسكو ديوان كابييف الشعري “نحت على الحجر”، المستوحى من الشعر الشفوي لسكان المرتفعات. عمل كابييف خلال الحرب الوطنية العظمى، بعد أن تمَّ تسريحه من الخدمة العسكرية الفعلية بسبب المرض، داعيةً ومُحرِّضًا. وفي نهاية عام ١٩٤١، أُرسل إلى الخطوط الأمامية للجبهة الجنوبية. وأثمرت هذه الرحلة كتابًا من القصص القصيرة والمقالات بعنوان “القوزاق في الجبهة”، شارك في تأليفه مع س. بابايفسكي.عمل مراسلاً لصحيفة “إلى الأمام من أجل الوطن!” التي كانت تصدر عن جبهة شمال القوقاز. توفي في 27 يناير من عام 1944 بعد خضوعه لعملية جراحية بسبب قرحة نازفة في المعدة. أقامت حكومة داغستان نصبًا تذكاريًا للكاتب عند قبر إفندي كابييف في بياتيغورسك. يحمل النصب نقشًا بارزًا من كلمات الشاعر نفسه: “يا وطني، أنت وحدك خالد، مثل أُمّي… فَ دع شبابي يحيا في ديارك”. نُشرت وأُعيدت طباعة كتب إفندي كابييف “الشاعر”، و”نحت الحجر”، و”مقالات في الخطوط الأمامية”، و”دفاتر”، و”غير منشورة” مرات عديدة في داغستان، وفي الجمهوريات السوفييتية السابقة، وفي الخارج. أُطلق اسم الشاعر على عدد من الشوارع في محج قلعة، وبويناكسك، وبياتيغورسك، وعلى المسرح اللاكي للموسيقى والدراما في محج قلعة. يوجد تمثال نصفي للشاعر في محج قلعة أمام مدخل وزارة الثقافة في داغستان. وقد كرّس رسول حمزاتوف قصيدة ل إفندي كابييف بعنوان “الحبيب”. حيث استخدم رسول حمزاتوف في هذه القصيدة، لقب “حبيب”، وهو الاسم الذي كان الشاعر الداغستاني سليمان ستالسكي، “هوميروس القرن العشرين”، ينادي به إفندي كابييف. نشرت القصيدة في ديوان “قلبي في الجبال” الذي صدر عام 1959.   نص القصيدة:   أرى غُرّةَ شعرِك، وخطوطَ تجاعيدِك،  أرى نظرتَك المسحورة بالسماءِ وبالهواء،  لقد استعجلتَ الرحيل، أيّها الحبيب…   — يا أغنيةَ “داغستاني” الجميلة! …

    بعد سبع سنوات على وفاته.. إحياء ذكرى الشاعر المكسيكي إنريكي سيرفين بقراءة قصائد في «إل خونكو»

      يُعدّ إنريكي سيرفين واحدًا من أبرز مثقفي ولاية تشيهواهوا، وسيُحتفى بذكراه مرة أخرى بالكلمات والقصائد والذكريات أمام المنزل الذي عاش فيه سنواته الأخيرة. إنريكي سيرفين، الشاعر والمثقف حظي إنريكي…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *