
أضع بين يدي القراء هذا «الحديث الصريح» مع الكاتب الأذربيجاني المعروف ميخوش عبد الله.
وُلد ميخوش عبد الله (عبد الله ييف ميخوش كامل أوغلو) في الثاني من فبراير/شباط عام 1962 في قرية خليل آباد التابعة لمنطقة جليل آباد في أذربيجان. ورغم أن تخصّصه الأكاديمي هو الاقتصاد، فقد ذاع صيته ككاتب وأديب منذ سنوات طويلة. وهو عضو في اتحاد كتّاب أذربيجان منذ عام 2002، كما نال الجائزة الرئاسية.
ومن أبرز مؤلفاته: «الدكتور غزانفار»، «الأرواح القلقة»، «ألاغوز»، «ضحكة الشيطان»، «صيد الأناكوندا»، «الأسيرة»، و«المرأة التي يُطرق بابها ليلاً». وقد تُرجمت أعماله إلى اللغات الروسية والتركية والفارسية والقيرغيزية والعربية.
وفي المسابقة التي نظمها اتحاد كتّاب أذربيجان عام 2002، فازت قصته «ألاغوز» بالمركز الثاني ونالت جائزة «الذاكرة»، كما حصلت في مسابقة السيناريو التي نظمتها وزارة الثقافة الأذربيجانية عام 2001 على المركز الأول.

السؤال الأول: من هو ميخوش عبد الله؟
ميخوش عبد الله:
يصعب عليّ كثيراً أن أجيب عن هذا السؤال. ليس لأنني لا أعرف نفسي، بل على العكس تماماً، فأنا أعرفها جيداً. وأحياناً يكون العيش أسهل لمن لا يعرف نفسه، لأن من يجهل ذاته يعجز أيضاً عن فهم الآخرين، فيمضي في الحياة دون أن يلتفت إلى شيء.
أما معرفة النفس واكتشافها، فهما أمران في غاية الصعوبة. هناك تناقضات كثيرة بين عالمي الداخلي ومظهري الخارجي. ففي أعماقي أنا إنسان شديد الحساسية، ويمكن لأبسط حدث أن يهزني. وعلى الرغم من تقدّم العمر، فما زال بداخلي شيء طفولي نقي.
أحياناً أشعر بأنني لست إنساناً أرضياً، وكأنني وافد من كوكب بعيد. لم أستطع قط أن أعتاد هذه الحياة، فهي لا تبدو وكأنها خُلقت من أجلي. أشعر فيها بوحدة عميقة، وأحب العزلة والانفراد. بل إنني أظن أحياناً أنني أشبه بالشامان، إنسان الروح.
سؤال:
هذا مثير للاهتمام. أن تصف نفسك بالشامان يبدو أمراً جريئاً. إذن، أنت تؤمن بوجود الأرواح وإمكانية التواصل معها؟
ميخوش عبد الله:
نعم، لقد فهمتِني على نحو صحيح. أنا أؤمن بوجود الأرواح وبإمكانية التواصل معها.
سؤال:
أنت معروف في المقام الأول ككاتب. لو لم تكن كاتباً، فماذا كنت ستصبح؟
ميخوش عبد الله:
لا تحاكميني بقسوة، لكنني أشعر أحياناً أنني وُلدت كاتباً. فظروفي الحياتية، وحبي، وعلاقاتي الإنسانية، كلها مهيأة لهذا المصير.
أنا أحب الخالق، وأحب الطبيعة والناس. إنه حب غير عادي، يختلف عن حب الآخرين. والأعجب من ذلك أن معظم تعاستي جاءت تحديداً من فرط محبتي للناس ومن حسن ظني بهم.
هل تعرفين إنساناً يحمّل نفسه وحدها مسؤولية كل ما يحدث له؟ بالطبع سيقول معظم الناس: لا. أما أنا فأقول: نعم، هذا الإنسان هو أنا.
لقد عانيت طوال حياتي بسبب الآخرين، لكنني لا أشكو. لأن حياة الكاتب وقدره يجب أن يكونا كذلك. فالكاتب هو ذلك الإنسان الذي يحمل في داخله آلام الملايين ومحنهم، ثم يكتب.
كان لا بد أن أكون كاتباً. هذا هو قدري، وهذا هو أسلوب حياتي.
سؤال:
لكل كاتب عالمه الخاص. وعن ماذا تكتب أنت؟
ميخوش عبد الله:
القراء يعرفون إلى حد ما ما أكتبه. أكتب عن الحرب، والأسرة، والحياة اليومية، والطبيعة، والحب، والقصص البوليسية، وعن تفاصيل من حياتي الشخصية أيضاً.
أحب أن أكتب عن كل شيء، إلا عن النصوص المناسبة للطلب، أو الأعمال المفروضة، أو كتابات المديح والتملّق.
سؤال:
لديك شخصيات روائية كثيرة ومثيرة للاهتمام. من أين تأتي بأسماء هذه الشخصيات؟
ميخوش عبد الله:
من الحياة نفسها. أحب أن أطلق على شخصياتي أسماء أصدقائي والأشخاص الذين أحبهم.
لكن هناك اسماً واحداً ابتكرته بنفسي، وهو اسم «أوديورد»، بطل قصتي «بعث الضمير النائم». لقد اخترعت هذا الاسم، وما زلت أحبه كثيراً.
سؤال:
أتذكر هذه القصة جيداً. بدا لي أن بطلها كان شخصية استثنائية مثل اسمه تماماً، وكان مستعداً للموت من أجل وطنه.
ميخوش عبد الله:
نعم، هذا صحيح. حين كتبت تلك القصة كنت أتمنى أن يكون كل أذربيجاني شجاعاً مثل أوديورد. لكنني أدركت لاحقاً أن جميع جنودنا كانوا شجعاناً وبواسل مثله، بل وأكثر منه شجاعة.
سؤال:
في إحدى قصصك تقول إن أبناء الجنوب يتميزون بالحساسية وسرعة التأثر. وأنت أيضاً تنتمي إلى المنطقة الجنوبية من أذربيجان، فهل أنت شخص حساس؟
ميخوش عبد الله:
ربما يعود الأمر إلى مناخ مناطقنا؛ فالطقس عندنا رطب ومتقلب دائماً.
نعم، أنا شخص حساس إلى حد ما. أغضب وأتأذى بسرعة، وخاصة عندما يصدر تصرف غير محسوب من صديق أو من شخص أكنّ له كثيراً من الاحترام.
في طفولتي كنت كثير التأثر. وأذكر أنني غضبت من أمي ذات مرة. كانت تدللني كثيراً، وحاولت أن تعرف سبب انزعاجي، فقلت لها: «أنا غاضب منك لأنك لا تستطيعين أن تفصلي الماء عن شراب اللبن!» كانت طفولة مليئة بالنزوات.
وربما تسألينني: هل ما زلت كذلك اليوم؟ أجيب: لم أعد سريع الغضب كما كنت، لكنني ما زلت إنساناً رقيقاً سهل الجرح. أليس ذلك شكلاً آخر من أشكال الحساسية؟
سؤال:
وهل شعرت يوماً بأن هذه الحساسية قد تدفعك إلى جرح الآخرين؟ هل آذيت أحداً؟
ميخوش عبد الله:
نعم، حدث ذلك بالتأكيد. وربما لم يكن الأمر مقصوداً بقدر ما كان نتيجة سوء فهم أو سوء تقدير.
سؤال:
قل لي بصراحة يا أستاذ ميخوش، هل لديك الكثير من الذنوب؟
ميخوش عبد الله:
بالطبع… كلنا بشر ولسنا بلا خطيئة. ليس هناك إنسان بلا ذنب، وأنا لديّ الكثير منها.
لقد قلت إنني أعرف نفسي جيداً، ولذلك فأنا أدرك أخطائي وأحمل مسؤوليتها.
ولكن ينبغي أن أقول إن بعض تلك الأخطاء لم تكن كلها نابعة مني وحدي. ففي أحيان كثيرة وجدت نفسي مضطراً إلى ارتكاب أمر لا أريده، لأن عدم القيام به كان سيؤدي إلى مأساة لشخص آخر.
ومهما يكن، فإن ذنوبي أثقل مني. وأنا أعترف بذلك.
سؤال:
الكتّاب والشعراء والفنانون يرون الجمال ويصفونه. لو طُلب منك أن ترسم الجمال، فماذا سترسم؟
ميخوش عبد الله:
سأرسم وجه امرأة جميلة…
وسأرسم سماء صافية…
وبحراً…
ورذاذ ماء متطايراً…
وحقلاً أخضر…
وأزهار الليلك البنفسجية.
سؤال:
وأنا أيضاً أحب الليلك كثيراً. وألاحظ أنك لا تكتب عن الحب كثيراً، فأعمالك أكثر تنوعاً واتساعاً. هل تؤمن بوجود الحب؟
ميخوش عبد الله:
الحب شعور رائع…
إنه غير مادي ولا يمكن رؤيته بالعين، لكنه يُحَسّ ويُذاق، ويحمل في داخله شيئاً من العذاب.
وفي تصوري، فإن أجمل أنواع الحب هو الحب الذي يبقى بعيد المنال.
مثل هذا الحب يكون أكثر قداسة، وأكثر عذوبة، وأكثر خلوداً في الذاكرة…
إنه يشبه حب الإنسان للخالق.
سؤال:
هناك عملان من أعمالك أحبهما كثيراً: «ألاغوز» و«الأسيرة». وليس من الصعب أن نتخيل ما عشته أثناء كتابتهما. ماذا تقول عنهما؟
ميخوش عبد الله:
هاتان الروايتان جلبتا لي الكثير من التوفيق، ونالتا تقديراً واسعاً من القراء.
أما «ألاغوز»، فهي قصة رجل مهجّر قسراً من منطقة كلبجار يُدعى حسن كيشي. يروي الرجل حكاية حصانه «ألاغوز» الذي اضطر إلى تركه في المنطقة المحتلة، ويقضي أحداث القصة كلها باحثاً عن حصانه.
وقد فازت هذه القصة بجائزة «الذاكرة» في المسابقة التي نظمها اتحاد كتّاب أذربيجان عام 2002، وحصلت على المركز الثاني.
وفيما بعد، قامت جهات سينمائية مختلفة بإعداد سيناريوهات مستوحاة منها، تمهيداً لتحويلها إلى فيلم.
وكانت آخر محاولة في هذا الاتجاه من جانب ماريا إبراهيم، لكن المشروع لم يصل بعد إلى نتيجة نهائية.
أما رواية «الأسيرة»، فتتناول معاناة امرأة تُدعى سعيدة وقعت أسيرة لدى الأرمن. وقد لاقت الرواية أيضاً استحساناً كبيراً لدى القراء.
وقد تُرجمت «الأسيرة» إلى اللغة الروسية، وتولت تحريرها ليلى قادر زاده، وصدر منها خمسمائة نسخة.
وفي النهاية، فإن الحكم الحقيقي على نجاح هذين العملين يبقى بيد القارئ.
سؤال:
هل تحب الموسيقى؟ وإذا كنت تحبها، فما نوع الموسيقى الذي تفضله؟
ميخوش عبد الله:
أحب الموسيقى كثيراً… الموسيقى غذائي الروحي.
أستمع إلى المقامات الأذربيجانية، فهي عزيزة على قلبي مثل أغنيات المهد. وأكثر ما أحب مقام «جهاركاه» بصوت صابر ميرزوييف؛ فتنويعاته اللحنية تنقلني إلى عالم آخر تماماً.
كما أحب موسيقى شوبان، وأستمع دائماً بتأثر بالغ إلى القصيدة السيمفونية «القافلة» للموسيقار سلطان حاجي بكوف.
وأقدّر بعض مطربي الأغنية الحديثة، وأحب أغنيات شوفكت ألكبيروفا ويالتشين رضا زاده، كما أعشق أغنية «عُدْ» للمطرب الراحل شفا.
سؤال:
حبك للبحر يبدو استثنائياً! لماذا تعشق البحر إلى هذا الحد؟
ميخوش عبد الله:
البحر هو تجسيد أحلامي.
إنه بالنسبة إليّ أعزّ مخلوقات الله، لأنه مغطى بستار من الأسرار.
البحر رمز للحب والنقاء، ويجيد حفظ الأسرار. إنه يلامس روح الإنسان ويمنحها السكينة.
لكن البحر الهائج يخيفني كثيراً. عندما أرى أمواجه تثور وتضطرب، أشعر وكأن الله غاضب.
أما البحر الهادئ بأمواجه المخرمة الناعمة، فإنه يذكرني بامرأة جميلة وديعة ومطيعة.
ولدي قصة بعنوان «حبيبتي» أهديتها إلى البحر وإلى حبي له.
سؤال:
هل هناك في حياتك ما لا يمكنك نسيانه؟
ميخوش عبد الله:
إذا كنت صريحاً، فأنا أحاول في هذه الحياة القصيرة أن أعيش كل ما تمنحه لي، ولذلك لدي دائماً الكثير مما أتذكره.
نعم، هناك أحداث يستحيل أن تُنسى.
كيف يمكن أن أنسى النصر الذي حققناه في حرب الوطن التي استمرت أربعة وأربعين يوماً؟
سأظل أشعر بفرحة هذا الانتصار طوال حياتي.
وهناك أيضاً أحداث مؤلمة لا تُنسى، مثل الفقدان المأساوي لشقيقي الوحيد خاقاني، الذي كنت أحبه حباً عظيماً. لن أنسى رحيله أبداً.
سؤال:
لو أتيحت لك الفرصة، هل كنت ستنتقل للعيش في باكو؟
ميخوش عبد الله:
في شبابي كانت لدي رغبة قوية جداً في ذلك. كنت أحلم بأن أعيش وأبدع في باكو.
لكن الحقيقة أن باكو لم تحبني يوماً. كنت أشعر دائماً بأنني فيها مثل الابن غير الشرعي أو الابن المُهمل، ولم تفارقني أبداً مشاعر الغربة تجاهها.
أما اليوم، فقد بلغت عمراً يجعل الإنسان يشتاق أكثر فأكثر إلى الأماكن التي وُلد فيها وترعرع.
لا أدري لماذا، لكن ذلك الحنين القديم إلى باكو مات بداخلي.
والآن أحاول، بطريقة ما، أن أجعل باكو هي التي تشتاق إليّ.
سؤال:
تُقرأ أعمالك وتُنشر أيضاً في روسيا. ماذا تود أن تقول لقرائك؟
ميخوش عبد الله:
أن يكون للكاتب عدد كبير من القراء، وأن تنتشر كتبه بين الناس، هو حلم كل مبدع.
وأنا أيضاً سعيت إلى ذلك.
لقد تُرجم إلى اللغة الروسية نحو أربعين قصة من قصصي، بالإضافة إلى روايتين قصيرتين وروايتين طويلتين.
وفي هذا المجال يعود الفضل الكبير إلى ليلى قادر زاده، وصديقي غيا باتخاتاشفيلي، وإليكِ أيضاً.
كما أنني ممتن إلى المترجمة أمينة أوكسوز أوغلو التي ترجمت قصصي إلى التركية، وإلى سهرا رضائي التي ترجمت «ألاغوز» إلى الفارسية، وإلى مكسيم ساتيلديباييف الذي نقل قصة «الطابق السادس» إلى اللغة القيرغيزية، وإلى أوراز مرادوف الذي ترجم قصتي «الطابق السادس» و**«الأوراق المتجمدة»** إلى اللغة التركمانية.
أتوجه إليهم جميعاً بخالص شكري وامتناني.
سؤال:
لديك قصة مخصصة لشخص مجنون، أظنها بعنوان «رسالة من مستشفى المجانين». وأنت شخص سويّ، فإلى أي مدى يمكن للإنسان السوي أن يفهم غير السوي؟
ميخوش عبد الله:
أتعلمين؟ في اعتقادي أن في داخل كل واحد منا شيئاً من الجنون.
فنحن نتحدث مع أنفسنا أحياناً، ونغضب لأسباب تافهة، ونضحك في غير أوانه، ونفعل أشياء كثيرة لا تبدو منطقية. وكل ذلك نوع من الجنون بدرجات مختلفة.
ولدي قصتان في هذا الموضوع: «فييبالا المجنون» و**«رسالة من مستشفى المجانين»**، وقد لقيتا كلتاهما استقبالاً طيباً لدى القراء.
وعندما كتبت هاتين القصتين، قرأت كثيراً عن حياة المرضى النفسيين، وتكونت لدي صورة عن عالمهم وأسلوب عيشهم. بل إنني التقيت بأحد هؤلاء الأشخاص، وكان يُعرف باسم فييبالا المجنون ويعيش في منطقتنا، وتحاورت معه، بل أصبحت صديقاً له.
وفي الحقيقة، أرى أن الجنون يرتبط بمفهوم الصدق أكثر مما يرتبط بنقص العقل. فالناس لا يجنّون من قلة الذكاء، بل من فرط التفكير ووفرة العقل.
كثيراً ما نسمع عن أشخاص بلغوا من المعرفة والتأمل حداً جعلهم يبدون كالمجانين. وغالباً ما تصيب هذه الحالة الأشخاص شديدي الحساسية وكثيري التفكير.
أما في الأدب، فإن موضوع الجنون حاضر بكثافة، سواء في الأدب الكلاسيكي أو في الأدب المعاصر.
سؤال:
وهل يمكن القول إن شخصية فييبالا المجنون منحتك فرصة للتعبير عن أفكارك على لسان المجنون؟
ميخوش عبد الله:
نعم، هذا صحيح. لقد وجدت نفسي أحياناً مضطراً إلى استخدام هذه الوسيلة.
سؤال:
المرأة التي وصفتها في قصة «رذاذ الماء»، هل لعبت دوراً حقيقياً في مسيرتك الإبداعية، أم أنها مجرد اختراع أدبي؟
ميخوش عبد الله:
ليس في مسيرتي الإبداعية فحسب…
إنها ما زالت تؤدي دوراً في قدري وحياتي حتى الآن!
سؤال:
سيكون من الظلم أن نجري هذا الحوار مع كاتب معروف من دون أن نتحدث عن انتصارنا العظيم. أتذكر أنك اتصلت بي يوم تحرير شوشا، وقد استقبلنا هذا النصر والدموع في أعيننا. كيف تفسر هذا الشعور؟
ميخوش عبد الله:
نعم، أتذكر ذلك اليوم جيداً.
لقد كان يوماً بالغ الفرح لشعبنا. بل أستطيع القول إنه كان يوم بعث الضمير النائم في الأمة.
هناك مشاعر لا تستطيع الكلمات أن تفيها حقها. إنها تُعبَّر عنها كما تُعبَّر لحظة الميلاد: بالصراخ، والبكاء، والقفز من شدة الانفعال.
لم يكن ممكناً أن يكون الأمر على نحو آخر.
في ذلك اليوم، احتفل الشعب كله بالنصر بالطريقة نفسها التي احتفل بها كل فرد منا.
لقد كان انتصاراً عظيماً إلى درجة أنه بدا في الماضي حلماً بعيد المنال، وحتى اليوم يبدو وكأنه حلم.
وأثبت هذا النصر مرة أخرى قوة الإنسان التركي وصلابته.
ويجب أن نعترف بصراحة بأنه خلال ثلاثين عاماً من الاحتلال، لم نفقد الكثير من قيمنا المعنوية فحسب، بل بدأنا نفقد أيضاً روح الرفض والمقاومة. تسلل إلى الناس شعور باللايقين، وكاد الشعب أن يتصالح مع العجز والمهانة.
لكن فجأة نهض هذا الشعب من جديد، وحقق نصراً لا مثيل له.
وأكثر ما أسعدني أنه إذا كان من الصعب أحياناً أن يتفق شخصان على رأي واحد، فإن ملايين الناس في هذه المعركة امتلكوا كلمة واحدة وهدفاً واحداً.
إنه إنجاز هائل.
لم يسبق لشعبنا أن أظهر مثل هذا التلاحم والوحدة.
ويجب أن نكون ممتنين بصورة خاصة لشبابنا، فقد أبدوا في هذه الحرب شجاعة وبسالة استثنائيتين.
ويمكن أن يُقال الكثير عن هذا النصر.
أما بالنسبة إليّ شخصياً، فقد حوّلني هذا الانتصار من كاتب عاش ثلاثين عاماً وهو يحمل شعور الإنسان المهزوم، إلى كاتب ينتمي إلى وطن منتصر.
وأنا ممتن لكل من جعلني أعيش هذا التحول.
سؤال:
وبصفتك كاتباً ينتمي إلى بلد منتصر، هل تحب نفسك ككاتب؟
ميخوش عبد الله:
أنا لا أحب نفسي كإنسان…
لا، لا أحبها.
أما ككاتب، فنعم، أحب نفسي.
أحب مثابرتي، وقدرتي على العمل، وإصراري الذي لا يعرف التراجع.
أحب ذلك كثيراً.
بالنسبة إليّ، الكتابة هي الحياة نفسها.
ولهذا أستطيع أن أقول بثقة:
إنني أحب الكاتب الذي يُدعى ميخوش عبد الله.
خاتمة الحوار
تيرانا محمد:
أتمنى لك التوفيق والمزيد من الإنجازات، ونحن ننتظر منك أعمالاً جديدة.








