صدر حديثاً في طبعة جديدة وأنيقة عن دار القاهرة للطباعة والنشر كتاب «ثلاثية الوجع والحب واللون» للكاتب والفنان التشكيلي العالمي عبد الرازق عكاشة، أحد الأعمال النوعية التي تجمع بين البحث النقدي والرؤية الإبداعية، مقدماً قراءة عميقة لتجربة ثلاثة من أبرز رواد الحداثة الأوروبية الذين عُرفوا بـ«ثالوث التجديد النمساوي»: غوستاف كليمت، وإيغون شيلي، وأوسكار كوكوشكا.
ولا يكتفي الكتاب بتقديم دراسة تاريخية لمسارات هؤلاء الفنانين، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، متتبعاً العلاقات الإنسانية والفكرية التي جمعت بينهم، ومحللاً كيف استطاع كل منهم أن يحوّل الألم والحب والقلق الوجودي إلى لغة بصرية أسهمت في تغيير ملامح الفن التشكيلي الأوروبي في مطلع القرن العشرين.
ويخصص عبد الرازق عكاشة مساحة واسعة للفنان غوستاف كليمت، بوصفه الأب الروحي لحركة فيينا الانفصالية وأحد أهم المجددين في تاريخ الفن الحديث. ويتوقف عند لغته التشكيلية الغنية بالزخارف والرموز، واستخدامه الشهير للون الذهبي، حيث تتداخل في أعماله الأبعاد الجمالية والرمزية مع حضور إنساني وشاعري عميق.


أما إيغون شيلي، الذي كان تلميذاً لكليمت وصديقاً له، فيظهر في الكتاب باعتباره الفنان الذي منح التعبيرية النمساوية واحدة من أكثر صورها جرأة وصدقاً. ويرصد المؤلف خصوصية أعمال شيلي، التي اتسمت بخطوطها المتوترة وأجسادها الملتوية، بوصفها تعبيراً عن وجع نفسي وجسدي عميق، وتجسيداً لتوتر الإنسان الحديث واغترابه.
وفي قراءته لتجربة أوسكار كوكوشكا، المعروف بـ«طفل فيينا الرهيب»، يتوقف عكاشة عند شخصيته المتمردة ورؤيته الدرامية الحادة. ويبرز الكتاب كيف وظف كوكوشكا اللون والخط للتعبير عن الحب والألم والتمزقات الإنسانية، قبل أن يتخذ من فنه لاحقاً موقفاً أخلاقياً وسياسياً في مواجهة الاستبداد والنازية.
وتكمن أهمية الكتاب في أنه يكشف عن الخيط الإنساني والفني الذي جمع هؤلاء المبدعين الثلاثة؛ فقد اشتركوا في التمرد على القواعد الأكاديمية الكلاسيكية، وفي السعي إلى تأسيس لغة تشكيلية جديدة أكثر قدرة على التعبير عن القلق الإنساني وأسئلة الوجود. وهذا ما يلتقطه عبد الرازق عكاشة بوعي الفنان والباحث معاً، فيغوص في أعمارهم الفنية وتجاربهم الشخصية، ويقدم قراءة تربط بين مساراتهم الإبداعية ومفهوم الوجع بوصفه مصدراً للجمال ومحرّكاً للتجديد.

وتأتي الطبعة الجديدة من «ثلاثية الوجع والحب واللون» لتعيد تقديم هذا العمل المرجعي إلى القراء والباحثين والمهتمين بالفنون البصرية، مؤكدة مكانته بوصفه كتاباً يجمع بين المتعة المعرفية والعمق النقدي، ويضيء واحدة من أهم اللحظات المفصلية في تاريخ الفن الأوروبي الحديث من خلال رؤية عربية متميزة صاغها فنان عاش تجربته الجمالية بوصفها رحلة دائمة في البحث عن الإنسان داخل اللون.





