الأستاذ الدكتور سليمان الحويلي محاضرًا عن مملكة ماري

في إطار الاهتمام بتاريخ مصر والشرق الأدنى القديم، ودراسة العلاقات السياسية والحضارية التي شكلت ملامح المنطقة عبر العصور، تنظم مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، محاضرة بعنوان «التحالفات السياسية في الشرق الأدنى القديم.. مملكة ماري نموذجًا»، يقدمها أ.د. سليمان الحويلي، أستاذ تاريخ وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم.

وتتناول المحاضرة، التي تستضيفها قصر الأمير طاز في السادس من أكتوبر، عند الساعة السابعة مساءً، أحد النماذج البارزة في التاريخ السياسي للشرق الأدنى القديم، من خلال التوقف عند مملكة ماري وما تمثله من أهمية في فهم طبيعة التحالفات والعلاقات السياسية التي نشأت بين الممالك والقوى المختلفة في تلك المنطقة. وتأتي المحاضرة ضمن الجهود الرامية إلى إتاحة المعرفة الأثرية والتاريخية للجمهور، حيث أعلنت الجهة المنظمة أن الدعوة عامة.


مملكة ماري.. عقدة الطرق والتحالفات في الشرق الأدنى القديم

في مؤلفاته يذكرأ.د. سليمان الحويلي، أستاذ تاريخ وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم أن مملكة ماري، التي عُرفت أطلالها اليوم باسم تل الحريري، تحتل مكانة بارزة في تاريخ الشرق الأدنى القديم، إذ ارتبط تاريخها منذ الألف الثالث قبل الميلاد ببلاد النهرين، وظلت على صلة وثيقة بالأحداث السياسية والحضارية التي شهدتها المنطقة. وقد ساعد موقعها الجغرافي على نهر الفرات الأوسط في منحها أهمية استراتيجية واقتصادية استثنائية، فهي تقع في منطقة تصل جنوب بلاد النهرين بشمالها، وتتوسط شبكة من الطرق البرية والنهرية التي ربطت بلاد الشام بالجزيرة العليا وبلاد الرافدين ومناطق أخرى من الشرق الأدنى.

وأصبحت ماري، بفضل موقعها، محطة رئيسية للقوافل التجارية ومركزاً لتبادل السلع بين بلاد النهرين وبلاد الشام وآسيا الصغرى، الأمر الذي جعلها حاضرة مهمة يقصدها التجار والمسافرون. ولم يكن هذا الموقع الاقتصادي منفصلاً عن دورها السياسي؛ فقد جعل من ماري طرفاً فاعلاً في شبكة معقدة من العلاقات والتحالفات والصراعات بين الممالك القديمة.

وتشير الآثار إلى أن ماري كانت مأهولة منذ النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد، كما تكشف اللقى والنصوص عن صلاتها الوثيقة بجنوب بلاد الرافدين منذ عصر الأسر السومرية المبكرة. وتظهر هذه العلاقة في التماثيل والنقوش والوثائق التي تتحدث عن صراعات ملوك سومر مع ماري، ثم خضوعها لنفوذ الدولة الأكدية في عهد سرجون الأكدي، قبل أن تتعاقب عليها مراحل من الاستقلال والخضوع لقوى إقليمية مختلفة.

وفي الألف الثاني قبل الميلاد، برزت ماري بقوة في عهد الملك يخدون ليم، ثم بلغت أوج ازدهارها السياسي في عهد ابنه زِمري ليم، الذي استعاد عرش ماري بعد فترة من المنفى. وأدرك زِمري ليم أن الحفاظ على استقلال مملكته يتطلب بناء شبكة من العلاقات مع الممالك المجاورة، فوثّق صلته بمملكة يمحاض، وعاصمتها حلب، وسعى إلى التوسط بين القوى المتنافسة في سورية الشمالية والغربية.

وفي الوقت نفسه، حافظ زِمري ليم على علاقات وثيقة مع حمورابي ملك بابل، وشهدت المرحلة تبادل السفراء والهدايا والمساعدات العسكرية. إلا أن التحالفات السياسية في ذلك العصر كانت قابلة للتبدل مع تغير موازين القوى. فبعد أن عزز حمورابي نفوذه في بلاد النهرين، اتجه إلى ماري، وانتهى الأمر باحتلالها وتدمير أسوارها بعد مقاومة أهلها، لتنتهي بذلك مرحلة ازدهارها السياسي، وتتحول المدينة تدريجياً إلى مركز أقل أهمية.

وهكذا تكشف قصة ماري أن التحالفات السياسية في الشرق الأدنى القديم لم تكن مجرد اتفاقات ثابتة بين الملوك، بل كانت شبكة متحركة من المصالح والمخاوف والمصاهرات والهدايا والوساطات والصراعات، فرضها الموقع الجغرافي وتغير موازين القوى الإقليمية.

أ.د. سليمان حامد سليمان الحويلي: مسيرة علمية في تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم

يمثل الأستاذ الدكتور سليمان حامد سليمان الحويلي واحدًا من الباحثين والأكاديميين المتخصصين في دراسة تاريخ وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم، وقد ارتبطت مسيرته العلمية والأكاديمية بكلية الآثار بجامعة القاهرة، حيث تدرج في السلم الجامعي من معيد إلى أستاذ، جامعًا بين التكوين العلمي المتخصص والخبرة الأكاديمية الممتدة في مجال التاريخ والحضارة القديمة.

بدأت رحلته العلمية بالحصول على ليسانس الآثار من قسم الآثار المصرية بكلية الآثار – جامعة القاهرة، في دور مايو 1992م، بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف. ولم تكد تنتهي مرحلة الدراسة الجامعية حتى بدأ مساره الأكاديمي، فعُيّن معيدًا بقسم الآثار المصرية عام 1992م، ليصبح البحث والتعليم الجامعي جزءًا أصيلًا من مشروعه العلمي.

واصل الحويلي تعميق تخصصه في مجال الشرق الأدنى القديم، فحصل عام 1995م على دبلوم الدراسات العليا في الشرق الأدنى القديم من قسم الآثار المصرية، بتقدير عام جيد جدًا. ثم انتقل إلى مرحلة الدراسات العليا المتقدمة، فنال درجة الماجستير في الشرق الأدنى القديم عام 2000م بتقدير ممتاز، قبل أن يتوج مساره البحثي بالحصول على درجة الدكتوراه في الشرق الأدنى القديم عام 2006م بمرتبة الشرف الأولى.

ومع تطور تجربته البحثية والأكاديمية، واصل الحويلي صعوده في الدرجات الجامعية؛ فحصل على درجة أستاذ مساعد (أستاذ مشارك) عام 2013م بكلية الآثار – جامعة القاهرة، ثم تُوّج هذا المسار بالحصول على درجة أستاذ عام 2019م بالكلية نفسها.

وتكشف هذه الرحلة عن مسار أكاديمي متدرج يقوم على التخصص الدقيق في تاريخ وحضارة مصر والشرق الأدنى القديم، وعلى انتقال متواصل من التحصيل العلمي إلى البحث والتدريس الجامعي. فمنذ تخرجه عام 1992م وحتى بلوغه درجة الأستاذية عام 2019م، امتدت تجربته عبر ما يقارب ثلاثة عقود من الدراسة والبحث والعمل الأكاديمي، بما يعكس حضورًا علميًا مستمرًا في مجال من أكثر مجالات الدراسات التاريخية والآثارية اتصالًا بجذور الحضارات الإنسانية.

وفي إطار هذا التخصص، تتصل تجربته العلمية بتاريخ المنطقة التي شهدت نشوء ممالك ومدن وحضارات تركت آثارها في الذاكرة الإنسانية، من مصر القديمة إلى أقاليم الشرق الأدنى القديم. ومن هنا تأتي أهمية عمل الباحث المتخصص في قراءة تلك المراحل التاريخية، واستجلاء تطورها السياسي والحضاري، وربط الشواهد الأثرية بالمصادر التاريخية في محاولة لفهم عالم قديم ما زالت آثاره حاضرة في المعرفة الإنسانية المعاصرة.

إن سيرة الأستاذ الدكتور سليمان حامد سليمان الحويلي هي، في جوهرها، سيرة أكاديمية بدأت من مقاعد الدراسة بكلية الآثار، ثم تحولت إلى مشروع علمي متكامل عبر مراحل الدبلوم والماجستير والدكتوراه، قبل أن تستقر في رحاب الأستاذية بجامعة القاهرة. وهي مسيرة تؤكد قيمة التخصص والتراكم العلمي في دراسة التاريخ والحضارة، وتبرز دور الجامعة المصرية في إعداد الباحثين الذين يحملون مسؤولية قراءة الماضي وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة العلم والمنهج.

Related Posts

The Silent Verse by Gioia Lomasti, an Unrepeatable Unicum in the Contemporary Poetry Scene — A Review by Luciano Domenighini

Vetrina delle Emozioni This blog was born from the encounter between Authors and Artists. A place where music, writing, and above all poetry find a showcase capable of giving voice…

إديار موكانبيتوف | فيشار سنوات الحرب

    موكانبيتوف إديار صادربيكوفيتش كاتب نثر وصحفي روسي اللغة. عضو في الاتحاد الدولي للكتّاب الناطقين بالروسية منذ عام 2025. إديار موكانبيتوف  فشار سنوات الحرب إهداء إلى أطفال الحرب الوطنية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *