القاهرة – 27 سبتمبر 2026
في حلقة خاصة من برنامج «جسور»، أعدّتها المحررة ريهام رجب وقدّمها الإعلامي حسن الشاذلي في الخامسة مساءً على الهواء عبر قناة النيل الثقافية، استضاف البرنامج الدكتور أشرف أبو اليزيد، الكاتب والشاعر والروائي والصحفي والمترجم والرحالة، في حوار امتد إلى تجارب الترجمة الإبداعية، وعلاقته بالمبدعين الذين ينقل أعمالهم إلى العربية، ومشروعه في مد جسور أدبية وثقافية بين العالم العربي وثقافات روسيا والصين ومنغوليا وغيرها.
لم يكن الحوار مجرد عرض لثلاثة كتب أو ثلاثة نماذج من الأدب العالمي، بل بدا أقرب إلى خريطة لمشروع ثقافي يقوم على فكرة أساسية: أن الترجمة ليست انتقالاً من لغة إلى أخرى فحسب، وإنما لقاء بين ثقافتين، وحوار بين مبدعين، وعمل إنساني حي يتطلب معرفة النص وصاحبه والبيئة التي ولد فيها.
«الكونية الروسية»… الذاكرة من الفرد إلى الجماعة
بدأ الحوار من روسيا، ومن كتاب «الذاكرة» للشاعرة والباحثة الروسية ألكسندرا أوتشيروفا، وهو الكتاب الذي شكّل الانطلاقة الأولى لسلسلة «الكونية الروسية» التي يعمل عليها أبو اليزيد.

وأوضح أن مفهوم «الكونية الروسية» لا يقتصر على الأدب بمعناه الضيق، وإنما يرتبط برؤية روسية واسعة إلى الكون والوجود والإنسان، شارك في تشكيلها مفكرون وعلماء ومثقفون روس، لتصبح رؤية فلسفية تتجاوز الكلمات إلى تصور شامل للعالم (5:26 – 6:06).
وفي هذا السياق، يأتي عنوان «الذاكرة» بوصفه مفتاحاً مركزياً في الكتاب؛ فهو الخيط الذي يجمع أفكار أوتشيروفا وكلماتها، والجسر الذي يصل بين التقاليد والتحديث، وبين الماضي والحاضر (6:55 – 7:11).
وأشار أبو اليزيد إلى أن أوتشيروفا ليست شاعرة فحسب، بل أكاديمية وسفيرة لليونسكو، وأن تجربتها الشعرية تحمل بعداً إنسانياً يتجاوز السيرة الشخصية. فعندما تتحدث عن الشهداء أو عن زوجها الطيار، فإن التجربة لا تتوقف عند الشخص الفرد، وإنما تتحول إلى تأمل في التضحية والوطن والإنسان (5:40 – 7:53).
وقد احتفى أبو اليزيد بترجمته العربية للكتاب في موسكو، مؤكداً أن «الذاكرة» بالنسبة إليه ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما جوهر للحب وحرز للإنسان أمام تقلبات الزمن (6:43 – 11:25). كما كشف عن وعد قطعه لأوتشيروفا بترجمة الجزء الثاني من عملها، وهي تقترب من إتمامه (44:30 – 44:41).

ولم يكتفِ الحوار بالحديث النقدي عن الكتاب، إذ قرأ أبو اليزيد مقطعاً منه يربط الذاكرة بصورة الأم ودفء الطفولة واستمرار حضورها في حياة الإنسان بعد رحيلها (10:48 – 11:30)، في مقطع يتحول فيه إرث الأم من ذكرى شخصية إلى جوهر للحب ومصدر للحماية الروحية.
كما استعاد الحوار حضور الأدب التتاري في مسيرة أبو اليزيد، مشيراً إلى الشاعر عبد الله توقاي الذي بدأ مشروعه معه قبل نحو عشرين عاماً (09:33، 45:16)، في سياق اهتمامه بالأدب الروسي والتتاري والثقافات الأدبية التي يرى أنها تستحق مزيداً من الحضور في العربية.

وعرض البرنامج شريط فيديو يجمع الشاعرة والمترجم في موسكو وهي توقع له نسختين من ديوانها الصادر في سلسلة إبداعات طريق الحرير بالانجليزية والعربية… معقبا أن الكتابين بعد التوقيع يصبحان وثيقتين!
«أوراسيا»… ملحمة جديدة لطريق الحرير
انتقل الحوار بعد ذلك إلى الصين، مع ملحمة «أوراسيا» للشاعر الصيني تشاو شوي، التي نقلها أبو اليزيد إلى العربية، مقدماً إياها بوصفها نموذجاً لمحاولة إعادة صياغة مفهوم الملحمة في العصر الحديث.
فالعمل، كما شرح، يمتد عبر التاريخ والأسطورة والجغرافيا، لكنه لا يتعامل مع «أوراسيا» بوصفها مجرد مساحة جغرافية، وإنما باعتبارها نصاً إنسانياً يستعيد فكرة الأصل المشترك للبشرية ويدعو إلى الإيمان بالمصير المشترك (13:31 – 14:12؛ 19:07 – 19:59، 23:02 – 23:36).

وفي مستهل تلك الفقرة بث البرنامج شريط فيديو للشاعر الصيني تشاو شوي سجله عن ملحمته خصيصا للبرنامج.
وفي رؤيته للعمل، يرى تشا وشوي أن العصر الحديث يحتاج إلى ملاحم جديدة. ولذلك فإن «أوراسيا» لا تكتفي باستعادة النموذج القديم، بل تعيد بناءه بما يلائم زمننا، وتجعل من طريق الحرير مساراً لتلاقي الشعوب والثقافات.

ومن الخصائص اللافتة في بناء الملحمة، بحسب أبو اليزيد، أنها تقوم على أسلوب «البوابات»، بحيث يستطيع القارئ الدخول إليها من فصول مختلفة، وقراءة كل جزء باعتباره نصاً قائماً بذاته، وهو ما يمنح العمل مرونة تتناسب مع طبيعة القراءة المعاصرة، بعيداً عن صرامة المطولات الملحمية التقليدية (22:07 – 22:56). كما تتعامل الملحمة مع الأسطورة من منظور حديث؛ فالإنسان فيها لا يبدو مجرد كائن خاضع لإرادة الآلهة، بل يمتلك القدرة على صناعة مصيره بنفسه (24:43 – 25:12).

وأشار أبو اليزيد إلى دور الشاعر الأمريكي جورج والاس في تحرير النسخة الإنجليزية من «ملحمة أوراسيا» (18:07)، وإلى لقائه بتشاو شوي في آسيا الوسطى (20:45)، وهي لقاءات تكشف جانباً أساسياً من فلسفته في الترجمة: الاقتراب من صاحب النص، والاستماع إليه، وطرح الأسئلة التي لا يمكن للقاموس وحده أن يجيب عنها. وخلال الحلقة، قرأ أبو اليزيد مقطعاً من الملحمة يستحضر صور النهر وجبال الأورال والشمال والشتاء، في مشهد يجمع الطبيعة بالتاريخ والخيال الملحمي (25:20 – 26:16).
ناتساغدورج… حين تصبح الأرض قصيدة
أما المحطة الثالثة فكانت منغوليا، مع الشاعر داشدورجين ناتساغدورج، الذي وصفه أبو اليزيد بأنه أحد أيقونات الأدب المنغولي، رغم أن حياته لم تتجاوز 31 عاماً (31:09 – 31:23).

وقد استطاع ناتساغدورج، خلال حياته القصيرة، أن يسهم في تجديد الأدب المنغولي، وأن يحفظ جوانب من الحكايات الشعبية والتراث، من خلال أعماله في الشعر والمسرح والصحافة.
وتوقف الحوار خصوصاً عند قصيدته «موطني»، التي وصفها أبو اليزيد بأنها تؤدي في الوجدان المنغولي وظيفة شبيهة بالنشيد الوطني، إذ تحفظها الأجيال وتتوارثها الأمهات (32:46 – 32:51).
ويرى أبو اليزيد أن ناتساغدورج يتصرف في هذه القصيدة كما لو كان باحثاً أنثروبولوجياً؛ فهو لا يكتفي بالحديث عن الوطن بصورة مجردة، بل يسجل جباله وسهوله وأنهاره ومعالمه الجغرافية، ويمنح المكان حياة إنسانية وروحية (33:19 – 33:31).
وهنا تبرز الطبيعة المنغولية بوصفها عنصراً أساسياً في النص، بما تحمله من فضاء بدوي مفتوح وطقوس روحية وشامانية، وعلاقة مباشرة بين الإنسان والأرض.
وأوضح أبو اليزيد أن ترجمة القصيدة إلى العربية تمثل، بحسب ما عرضه في الحلقة، المرة الأولى التي تنتقل فيها هذه القصيدة إلى العربية (33:05 – 33:12)، مؤكداً أن الأدب المنغولي، رغم محدودية عدد سكان البلاد، يمتلك ما يستحق أن يبقى وينتشر في العالم (34:11 – 34:21).
كما تحدث عن انطباعاته من الشعب المنغولي خلال رحلاته، واصفاً إياه بأنه شعب مبهج ومحب للحياة والطبيعة، يتمتع بروح بدوية حرة وبقدر من الفكاهة والدعابة (38:45 – 39:23).
وقرأ من القصيدة مقطعاً يحتفي بالوطن وبالأرض التي عرفها الإنسان منذ الميلاد، ويدعو إلى بناء عالم جديد بقوة الشعب وإرادته (39:27 – 39:46).

المترجم ليس موظفاً بين قاموسين
إذا كانت الكتب الثلاثة تمثل محطات مختلفة في الجغرافيا الأدبية، فإن الفكرة التي تجمعها جميعاً هي فلسفة أبو اليزيد في الترجمة.
فهو يرفض اختزال المترجم في دور الوسيط الذي يبحث عن المقابل اللغوي في القواميس. وفي رؤيته، الترجمة الإبداعية عمل حي يبدأ من فهم النص وثقافته، ويزداد عمقاً عندما يلتقي المترجم بالمبدع نفسه.
ولهذا يحرص على اللقاءات المباشرة والحوار المستمر مع الأدباء الذين يترجم لهم. فقد التقى ألكسندرا أوتشيروفا في موسكو (04:36، 43:36)، والتقى تشاو شوي في آسيا الوسطى (20:45)، كما تحدث عن أهمية هذه اللقاءات في الحصول على التفسيرات الدقيقة وتصحيح المعاني أثناء الترجمة (18:22).
ويرى أن لقاء المبدع لا ينتهي بانتهاء الترجمة؛ فإصدار الكتاب يصبح مناسبة للاحتفاء المشترك، وتوثيق الجسر الذي نشأ بين الكاتب والمترجم. وقد اتخذ هذا النهج في زياراته إلى بلدان مختلفة، من بينها تايوان وموسكو وأوزبكستان (28:47).
وحتى عندما تحول ظروف السفر دون اللقاء المباشر، فإنه يلجأ إلى التكنولوجيا لإقامة حوارات افتراضية مع المبدعين، مؤكداً أن التواصل مع صاحب النص يظل جزءاً مهماً من عملية الترجمة (30:57).
ومع تكرار هذه الرحلات واللقاءات، تتشكل لديه، كما يقول، «عائلات أدبية» في مناطق مختلفة من العالم، تقوم على تبادل الكتب والخبرات والصداقة الإنسانية والثقافية، لا على علاقة مهنية عابرة فقط (42:18).
كيف يختار أبو اليزيد ما يترجمه؟
كشفت الحلقة أيضاً عن المعايير التي تحكم اختيارات أبو اليزيد للكتب والأعمال الأدبية التي ينقلها إلى العربية.
في مقدمة هذه المعايير تأتي الذائقة الشخصية والشغف. فهو يؤكد أنه لا يعمل بوصفه «موظفاً مترجماً»، وإنما يختار النص الذي يحبه ويشعر بوجود علاقة خاصة بينه وبينه (48:32 – 48:48).
ويأتي بعد ذلك البحث عن النوعي والمختلف؛ إذ يتجنب، قدر الإمكان، الأعمال التي سبق أن ترجمت مراراً، ويفضل البحث عن نصوص لم تحظَ بالاهتمام الكافي في العربية (49:20 – 49:52).
كما يولي أهمية لإحياء الثقافات الأدبية الحية التي تحتاج إلى من يقدمها إلى جمهور جديد، ومن بينها الأدب التتاري والمنغولي والأدب الأفريقي المعاصر (50:09 – 50:21).
ويرتبط ذلك بمفهوم بناء الجسور الإنسانية؛ فاختيار «الكونية الروسية» و«ملحمة أوراسيا» وغيرهما من الأعمال ليس منفصلاً عن إيمانه بدور الترجمة في خلق الحوار الحضاري وتأكيد المصير الإنساني المشترك (21:14 – 21:27، 23:32 – 23:41).
أما التواصل مع المؤلف فيبقى معياراً أساسياً، إذ يفضل الأعمال التي يستطيع من خلالها إقامة حوار مباشر مع صاحب النص لفهم المعاني الدقيقة والمرجعيات الثقافية، بما يحول الترجمة من عمل بين القواميس إلى «عمل حي» (28:07 – 28:27).
من أفريقيا إلى مشروعات جديدة
لم يكن المشروع الروسي أو الصيني أو المنغولي نهاية الطريق. فقد كشف أبو اليزيد خلال الحلقة عن عمله على ترجمة كتاب «حياة فانية» للشاعر الكيني كريستوفر أوكيموا، مع الإشارة إلى تقديم المشروع في أكتوبر المقبل (51:16 – 51:38).
كما ورد اسم الكاتبة النيجيرية إستر أديلانا، صاحبة رواية «الجرة المكسورة» (52:07)، والكاتبة الروسية إنا تاتشاروفا صاحبة رواية آنا كليوباترا، التي ترجمت مسرحية أديلانا إلى الروسية (52:31)، بما يفتح في الحوار نافذة على التبادل الأدبي بين أفريقيا وروسيا، وعلى اتساع شبكة العلاقات التي يتحرك فيها مشروع أبو اليزيد.
ويظهر من ذلك أن اهتمامه بالأدب العالمي لا يسير في اتجاه واحد؛ فهو لا يكتفي بجلب الأدب الروسي أو الصيني أو المنغولي إلى العربية، وإنما يلتفت أيضاً إلى إمكانية انتقال الأدب الأفريقي عبر لغات وثقافات أخرى.
أسماء عبرت مشروع الترجمة
استعاد الحوار مجموعة من الأسماء التي ترتبط بتجربة أبو اليزيد الأدبية والترجمية. في مقدمتها ألكسندرا أوتشيروفا، التي ترجم كتابها «الذاكرة» ضمن سلسلة «الكونية الروسية» (04:36، 06:12)، وتشاو شوي صاحب «ملحمة أوراسيا» (13:16، 14:00)، وداشدورجين ناتساغدورج صاحب قصيدة «موطني» (31:08، 32:46).
كما عاد إلى علاقته القديمة بالشاعر التتاري عبد الله توقاي، التي بدأت قبل نحو عشرين عاماً (09:33، 45:16)، وإلى جورج والاس، محرر النسخة الإنجليزية منها. (18:07).
واستحضر الحوار كذلك أسماء أدبية روسية وعالمية كبرى، من بينها تولستوي وغوركي وأنطون تشيخوف (09:02، 12:05)، مع الإشارة من مقدم البرنامج إلى يوسف إدريس الذي عُرف بلقب «تشيخوف العرب» (09:05).
الترجمة… لقاء لا نقل
في ختام الحلقة، عاد الحوار إلى السؤال الأوسع: ماذا تعني الترجمة بالنسبة إلى المترجم؟
يجيب أبو اليزيد من موقع الممارسة لا التنظير فقط. فالترجمة عنده ليست عملية استبدال كلمات بأخرى، ولا نشاطاً مكتبياً منفصلاً عن حياة النص، وإنما هي حوار حي يبدأ من الشغف بالنص، ويتعمق بالبحث في ثقافته، ويكتمل باللقاء مع صاحبه متى أمكن.
وفي هذا السياق، تبدو رحلاته إلى روسيا والصين ومنغوليا وغيرها امتداداً طبيعياً لمشروعه الترجمـي، لا نشاطاً موازياً له. فالرحلة تتيح له أن يرى المكان الذي خرج منه النص، وأن يلتقي الإنسان الذي كتبه، وأن يختبر الثقافة التي تحمل الكلمات إشاراتها ورموزها.
ومن هنا تتجمع في مشروعه عناصر الأدب والترجمة والسفر والصداقة الثقافية في مسار واحد. فالمترجم لا ينقل النص فقط، وإنما ينقل معه شيئاً من ذاكرة المكان، ومن صوت صاحبه، ومن روح الثقافة التي أنتجته.
ولهذا اختار أبو اليزيد، في حديثه عن فلسفته، أن يجعل الجسر استعارة مركزية لمهمته: جسر بين اللغات، وجسر بين الأدباء، وجسر بين الشعوب. وفي الحلقة التي حملت اسم «جسور»، بدا هذا المفهوم أكثر من مجرد عنوان للبرنامج؛ فقد أصبح وصفاً لمشروع ثقافي كامل يقوم على أن الأدب، حين تعبره الترجمة بوعي ومحبة ومعرفة، يستطيع أن يحول المسافة الجغرافية إلى قرب إنساني.
ومن روسيا إلى الصين، ومنغوليا إلى أفريقيا، تكشف تجربة أشرف أبو اليزيد أن الترجمة يمكن أن تكون وسيلة لاكتشاف آداب لم تصل بعد إلى القارئ العربي، وإحياء أصوات قديمة، وفتح نوافذ على ثقافات معاصرة، والأهم: إنشاء علاقات إنسانية تستمر بعد أن تنتهي صفحات الكتاب.
وفي ذلك تختصر الحلقة رسالتها الأساسية: أن الترجمة الجيدة لا تنقل الكلمات وحدها؛ إنها تبني جسراً بين إنسان وإنسان.





