
«نريد للشعر أن يبني جسورًا من المحبة واللطف والتفاهم الإنساني» — كريستوفر أوكيموا
القاهرة – طريق الحرير اليوم
«جامبو!» تحية كينية، لكن الحوار الشعري الذي تتفتح آفاقه في الدورة الثانية عشرة من مهرجان كستريتش الدولي للشعر يتجاوز حدود العالم بأسره.
من كينيا إلى مصر وسوريا والسعودية وأيرلندا وإيطاليا واليابان وبولندا وغاليسيا والمجر، يلتقي الشعراء في كستريتش للاحتفاء بالشعر، لا بوصفه أدبًا فحسب، بل باعتباره ملتقى للثقافات واللغات والتجارب الإنسانية.
وللتعرف إلى ما يميز هذه الدورة على نحو خاص، أجرينا حوارًا مع الدكتور كريستوفر أوكيموا، مدير مهرجان كستريتش الدولي للشعر ورئيسه منذ تأسيسه، حول المسيرة الدولية للمهرجان، والأصوات الشعرية الجديدة، وشراكاته الثقافية المتنامية، وجائزة «الجسر الأدبي» المتميزة لهذا العام.
«إنها واحدة من أكثر دوراتنا إثارة»
س: كريستوفر، ما الذي يميز الدورة الثانية عشرة من مهرجان كستريتش؟
كريستوفر أوكيموا: تُعد دورة هذا العام واحدة من أكثر دوراتنا إثارة، نظرًا إلى جودة الشعراء المشاركين ومستواهم الإبداعي. لدينا برنامج حافل ومُلهم على نحو استثنائي، يضم شعراء مرموقين قادمين من قارات مختلفة.
لقد آمن مهرجان كستريتش دائمًا بأن الشعر ينبغي أن يتجاوز الحدود. وهذا العام، نرى تلك الفلسفة تتحول إلى واقع من خلال تنوع المشاركين.
ويسعدنا بوجه خاص استقبال شعراء من دول تشارك للمرة الأولى في المهرجان، الأمر الذي يمنح هذه الدورة إحساسًا مميزًا بالاكتشاف والانفتاح على آفاق جديدة.
أول مشاركة سعودية.. وصوت أدبي لافت
س: من أبرز المشاركات الجديدة هذا العام مشاركة المملكة العربية السعودية. حدثنا عن حاتم الشهري.
أوكيموا: بالفعل، نحن فخورون للغاية باستضافة حاتم الشهري، أول شاعر سعودي يشارك في مهرجاننا.
حاتم شخصية أدبية متمرسة، ألّف 18 كتابًا، وحظيت أعماله بتقدير دولي مهم. ومن بين الجوائز التي نالها جائزة ابن عربي الدولية في إسبانيا عام 2024 ، وجائزة ستوكهولم الثقافية في السويد عام 2024، وجائزة أفضل مؤلف أجنبي مترجم في ألمانيا عام 2025، التي قدمتها الجمعية الألمانية للأدب والترجمة.
وتضيف مشاركته بُعدًا جديدًا ومهمًا إلى الحوار الأدبي بين كينيا والعالم العربي.
من سوريا إلى كينيا.. اسم راسخ في المشهد الثقافي العربي
س: يحضر الشعر العربي أيضًا من خلال الشاعر السوري هاني نديم.
أوكيموا: يتمتع هاني نديم بخبرة واسعة، ليس بوصفه شاعرًا فحسب، وإنما أيضًا محررًا وصحفيًا ومهنيًا في المجال الثقافي.
فقد شغل منصب الرئيس التنفيذي لمؤسسة «كراريس ميديا»، وعمل مستشارًا في وزارة الثقافة الإماراتية، ومديرًا للتحرير والإعلان في «هورايزون درافت»، ومديرًا للتحرير في «ألف إنترناشيونال»، ورئيسًا مؤسسًا لتحرير صحيفة «إيلاف»، إلى جانب عمله مديرًا للتحرير والعلاقات العامة في مؤسسة التراث بالمملكة العربية السعودية.
وهو حاصل على درجة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق، ودرجة الماجستير في علم اللغة من جامعة بغداد.
ويسعدنا أن نقول له: أهلًا بك في كينيا، هاني نديم!
أيرلندا وإيطاليا واليابان تدخل سجل كستريتش
س: تشهد دورة هذا العام أيضًا مشاركة عدد من الدول للمرة الأولى في المهرجان.
أوكيموا: نعم، وهذا أحد أسباب تميز هذه الدورة وإثارتها.
للمرة الأولى، نستقبل شاعرة من أيرلندا، هي برناديت غالاغر. ونحن ممتنون لمؤسسة «كالتشر أيرلند» لمنحها منحة سفر أتاحت لها المشاركة. ونأمل أن تكون هذه الخطوة بداية لتبادل ثقافي وشعري مستمر بين أيرلندا وكينيا.
وتمثل إيطاليا مشاركة أولى مهمة أخرى. فمنذ انطلاق المهرجان، لم يسبق لنا استقبال شاعر إيطالي. أما هذا العام، وبفضل دعم المعهد الثقافي الإيطالي في نيروبي، فإننا نرحب بالأستاذة إليزا بياجيني. ونقدّر هذا الدعم تقديرًا صادقًا، ونأمل أن يقود إلى شراكة أدبية وفنية مستدامة بين إيطاليا وكينيا.
ثم تأتي اليابان.
لم يسبق أن شارك شاعر ياباني في مهرجان كستريتش، ولذلك يسعدنا على نحو خاص الترحيب بالشاعر يوسوكي مياكي، المعروف عالميًا بصفته شاعرًا ومترجمًا، والفائز بجائزة غينداي تانكا للنقد عام 2012.
ونأمل أن يعرّف يوسوكي شعراء المهرجان وجمهوره بتقاليد الرينشي والهايكو وأشكال الشعر الياباني التقليدي.
بولندا تعود بصوت أدبي متميز
س: سبق لبولندا أن رسخت حضورها في مهرجان كستريتش.
أوكيموا: بالتأكيد. سبق أن استضفنا الشاعر البولندي الكبير داريوش ليبيودا عام 2018، والأستاذة مارتا إيلوي تشيتشوكا عام 2024.
ونتشرف هذا العام باستقبال آنا ماريا شتيبيين، الشاعرة الحائزة على جوائز والناشطة في مجال الترويج الثقافي. وقد حصلت قصائدها على المركز الثاني في مسابقة شعرية نظمتها جمعية الكتاب في كومانوڤو بمقدونيا الشمالية عام 2025، كما فازت في فئة النثر ضمن الدورة الخامسة من المسابقة الأدبية الدولية «الأدب الآسيوي 2025»، في مارس 2026.
ونحن سعداء للغاية بالترحيب بها في كستريتش.
غاليسيا والمجر.. والترجمة لغةً للتواصل
س: تواصل الخريطة الأوروبية للمهرجان اتساعها.
أوكيموا: نعم. سبق أن استضفنا من إسبانيا ميغيل رودريغيز مونتيافارو عام 2014، ومن غاليسيا يولاندا كاستانيو عام 2022، ومونتشو إغليسياس ميغيث عام 2024.
ويمثل غاليسيا هذا العام الشاعر خينارو دا سيلفا، الذي فاز بعدد من الجوائز الأدبية عن كتبه الشعرية، ويعمل محررًا ومترجمًا للشعر بين اللغات الإسبانية والغاليثية والبرتغالية.
وتعود المجر أيضًا إلى كستريتش. فبعد استضافتنا الشاعر إستفان تورزي عام 2022، نرحب الآن بدانييل ليفينتي بال، الحاصل على جوائز عديدة في مجالات الأدب والفنون والعمل المهني، على المستويين المجري والدولي.
ويتميز دانييل بكونه كاتبًا ثنائي اللغة، يكتب بالمجرية والإنجليزية في الوقت نفسه. وخلال المهرجان، سيطلق مجموعته الشعرية ثنائية اللغة، الإنجليزية والسواحيلية، بعنوان «الفراشة، الحجر، السكين» (2026)، الصادرة عن دار نشر «نسيميا إنك».
هذا تحديدًا هو جوهر مهرجان كستريتش بالنسبة إلينا: لغات تلتقي بلغات، وثقافات تلتقي بثقافات.
«الشعر قادر على بناء الجسور»
س: تكرّمون هذا العام شاعرًا مصريًا بمنحه جائزة خاصة. لماذا وقع اختياركم على الدكتور أشرف أبو اليزيد؟
أوكيموا: يسعدنا تكريم الدكتور أشرف أبو اليزيد (أشرف دالي) بمنحه جائزة الجسر الأدبي لعام 2026، تقديرًا لخدماته المتميزة للأدب العالمي.
إنه شاعر وروائي وصحفي ومترجم ومحرر، وصانع جسور ثقافية، أسهمت جهوده المتواصلة إسهامًا ملموسًا في تطوير الأدب العالمي ونشره والحفاظ عليه.
وتجسد مسيرته المهنية روح مهرجان كستريتش نفسها؛ إذ تصل بين التقاليد الأدبية عبر الحدود الجغرافية واللغوية.
ولذلك، ندعو الجميع إلى مشاركتنا الاحتفاء بالدكتور أشرف أبو اليزيد وإسهاماته في الأدب العالمي.
ما وراء الشعر.. بناء شراكات ثقافية مستدامة
س: أشرتم مرارًا إلى مؤسسات ثقافية مثل «كالتشر أيرلند» والمعهد الثقافي الإيطالي. ما أهمية هذه الشراكات؟
أوكيموا: إنها بالغة الأهمية. فالمهرجان الأدبي لا يستطيع الاستمرار بجهود الشعراء وحدهم، بل يحتاج إلى مؤسسات ومنظمات ثقافية وأفراد يؤمنون بالتبادل الثقافي.
عندما تدعم مؤسسة رحلة شاعر من قارة إلى أخرى، فإنها لا تتحمل تكاليف السفر فحسب، بل تساعد ثقافتين على الالتقاء.
ولهذا، نرحب باستمرار الشراكات مع «كالتشر أيرلند»، والمعهد الثقافي الإيطالي في نيروبي، والمؤسسات المماثلة في مختلف أنحاء العالم.
ماذا تأملون أن يحمل زوار كستريتش معهم عند عودتهم؟
أوكيموا: آمل أن يعودوا بالفرح.
وأن يحملوا معهم الحماسة والضحك وصداقات جديدة. والأهم من ذلك، أن يفتح الشعر قلوبنا على المشاعر الإنسانية الرقيقة، وعلى المحبة واللطف.
إن عالمنا بحاجة إلى مزيد من الفرص التي تتيح للناس اللقاء بعيدًا عن الحدود السياسية والجغرافية. والشعر يمنحنا هذه الفرصة.
نريد لزوار كستريتش أن يشعروا بأننا، على الرغم من اختلاف لغاتنا وانتمائنا إلى قارات متباعدة، نتشارك شيئًا إنسانيًا عميقًا.
مهرجان واحد.. وعوالم متعددة
تأتي الدورة الثانية عشرة من مهرجان كستريتش الدولي للشعر، إذن، لا باعتبارها محطة أخرى في روزنامة الفعاليات الأدبية الدولية، بل بوصفها خريطة حية للقاءات الشعرية.
محرر وشاعر سوري يلتقي جمهورًا كينيًا، وكاتب سعودي يعبر جسرًا أدبيًا جديدًا، وأيرلندا وإيطاليا تسجلان ظهورهما الأول في المهرجان، واليابان تقدم تقاليد الهايكو والرينشي، فيما تعزز بولندا وغاليسيا والمجر صلاتها الأدبية القائمة. وفي الوقت نفسه، يُكرَّم الدكتور أشرف أبو اليزيد من مصر تقديرًا لمسيرة حافلة ببناء الجسور من خلال الأدب والترجمة.
ولعل هذه هي الرسالة الأقوى التي يقدمها مهرجان كستريتش: الشعر لا يمحو اختلافاتنا، بل يعلمنا كيف نلتقي رغمها.
وكما يذكّرنا الدكتور كريستوفر أوكيموا، فإن الدعوة بسيطة: «جامبو»؛ أهلًا بكم في كستريتش، أهلًا بكم في كينيا، وأهلًا بكم في عالم الشعر.





