ترجمة «شماوس» إلى اللغة الأذرية: المرآة الروحية للمجتمع الشرقي

أصدقائي الأعزاء، ومحبي الكتاب الأعزاء!

مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب المصري أشرف أبو اليزيد أشرف الدالي، ومترجمته هي المستشرقة والكاتبة ترانة محمد، أما أنا فقد توليت تحرير الكتاب وكتابة مقدمته. والكتاب قيد الطباعة حاليًا، وأردت أن أشارككم مقدمته للتعريف به بصورة موجزة.

عادلة نظر
دكتورة في الفلسفة في علم فقه اللغة

«شماوس» — المرآة الروحية للمجتمع الشرقي

تُعد الترجمة الأدبية واحدة من أكثر الوسائل تأثيرًا في تعزيز الحوار بين الثقافات، وتقريب الشعوب بعضها من بعض على المستوى الروحي والإنساني. ومن هذا المنطلق، فإن ترجمة رواية «شماوس»، التي أثارت أصداء واسعة في الأدب المصري المعاصر، إلى اللغة الأذربيجانية، تهدف في جوهرها إلى إلقاء الضوء على الطبقات الداخلية للمجتمع الشرقي، وعلى واقعه النفسي والاجتماعي العميق، وإضافة لبنة جديدة إلى هذا الجسر الروحي الذي يصل بين الثقافات.

فالكاتب أشرف دالي (أشرف أبو اليزيد) ليس قلمًا معروفًا في مصر فحسب، بل هو اسم حاضر على نطاق واسع في المشهد الثقافي للشرق المعاصر. وإلى جانب توليه رئاسة جمعية الصحفيين الآسيويين (AJA) 2016 – 2024 وتوليه حاليا منصب الأمين العام لمؤتمر الصحفيين الأفارقة (CAJ)، فهو شاعر وروائي ومترجم وكاتب صحفي معروف.

وتتمحور تجربته الإبداعية ونشاطه الثقافي حول مفهوم «طريق الحرير الثقافي» (Silk Road Culture). ففي رؤيته، لم يكن طريق الحرير التاريخي مجرد ممر تجاري عابر، بل كان جسرًا روحيًا حيًا حمل، عبر القرون، كنوز أفكار الشعوب وشعرها وفلسفاتها.

ومن ثم، فإن صدور هذا الكتاب باللغة الأذربيجانية يمثل إسهامًا مهمًا في فكرة طريق الحرير الثقافي؛ أي في استعادة الروابط الأدبية والفنية، والثقافية عمومًا، بين آسيا والعالم العربي والقوقاز، وفي محاولة لجعل النبض الأدبي لشاطئ النيل يخفق بالإيقاع ذاته الذي يخفق به النبض الأدبي على شاطئ بحر قزوين.

تأتي رواية أشرف الدالي في صورة دراما اجتماعية نفسية، ترسم بألوان فنية حادة ملامح التفاوت الطبقي في المجتمع المصري المعاصر، والتآكل الأخلاقي، والتناقض القائم بين النظام والفرد.

وفي الرواية يتصادم عالمان لا سبيل إلى التوفيق بينهما: فمن جهة، تقف قرية شماوس، التي تحافظ على قيمها الأبوية ونقائها، لكنها تظل بلا حماية؛ ومن جهة أخرى، تقف القاهرة، وبخاصة نخبة المعادي، باعتبارها مدينة قاسية يسودها المال والنفوذ السياسي واللهو والانغماس في الملذات.

أما المحرك الأساسي للديناميكية الداخلية للرواية فهو الموت المأساوي لنرجس، وما يتبعه من رحلة بحث عن العدالة.

ولا تبقى نرجس، في الرواية، مجرد فتاة ريفية وقعت ضحية لجريمة، بل تتجاوز هذا الإطار لتصبح رمزًا لكرامة الإنسان التي يدوسها ويهينها النظام الرأسمالي والبيروقراطي المعاصر.

إن محاولة التستر على موت نرجس، والسعي إلى تحميل الجريمة لأناس شرفاء بلا سند، ممثلين في شقيقها عماد، يكشفان بجلاء آليات انعدام العدالة في المجتمع.

وتجسد شخصيات مثل الجنرال وجيه، وابنه هشام، وعمر عبد اللطيف التآكل الأخلاقي للطبقة صاحبة الامتيازات. فحياة الإنسان، وعفة المرأة، والضمير، ليست في نظرهم سوى قيم يمكن بيعها أو إسكاتها بقوة النفوذ.

ويكشف الكاتب، بجرأة ووضوح، كيف يمكن للصحافة وأجهزة إنفاذ القانون والمال أن تعيد صياغة الحقيقة وتزيفها داخل منظومة يصبح فيها «القوي هو صاحب الحق».

ومن أعمق المستويات الفلسفية والنفسية في الرواية ثيمة الحنين إلى الوطن، وصدمة الاغتراب، ووهم السراب الذي يتبدد. ويبلغ هذا الخط ذروته في شخصيتي الدكتور كريم عبد المجيد وابنته دنيا.

فالدكتور كريم، الذي عاش سنوات طويلة في الغربة، وسط لياليها الباردة ووحدتها وإحساسها بالاغتراب، لم تعد مصر بالنسبة إليه مجرد جغرافيا، بل تحولت إلى ملاذ للروح، وإلى العنوان الوحيد للسكينة الروحية المفقودة والحنان.

غير أن الوطن الذي ظل يعد أيامه انتظارًا للعودة إليه، يفتح أمامه أبوابًا مغايرة تمامًا للجنة التي حلم بها؛ إذ يجد نفسه أمام جحيم مروّع، ويقع في فخ لم يجد فيه، في الملاذ الذي طالما اشتاق إليه، «شيئًا سوى النار».

ومن خلال اعتراف الدكتور كريم لابنته:

«سامحيني يا ابنتي… لقد كنت أطارد مجرد سراب»

يكشف الكاتب للقارئ حجم الكارثة الروحية التي حلت بالشخصيات.

فالإنسان الذي فرّ من برد الغربة ليلجأ إلى شمس الوطن، يجد أن الشمس التي كان يحلم بها قد تحولت هي الأخرى إلى عين قاسية حارقة.

إنها ليست مأساة أسرة واحدة فحسب، بل مأساة الانهيار الأخلاقي لمجتمع بأسره.

كما تكشف الرواية، من خلال تسريب تسجيل مصور مفبرك إلى شبكة الإنترنت ووسائل الإعلام، كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة، بدلًا من أن تكون في خدمة الإنسان، أن تتحول إلى أداة للفتنة وسلاح مدمر قادر على تحطيم حياة الأبرياء.

وعندما تصرخ دنيا، وهي تنتحب:

«أبي، ماذا فعلنا حتى يحدث لنا كل هذا؟»

يأتي جواب الدكتور كريم ليختزل في جوهره المصير المشترك للمقهورين في مختلف الأزمنة:

«ذنبنا الوحيد أننا وُلدنا في الزمن الخطأ».

ومن خلال هذه الرسالة، يؤكد الكاتب أن ما يقود الإنسان المقهور إلى المأساة ليس أفعاله هو. ورغم أن عبارة «الزمن الخطأ» تشير إلى عصر أصبحت فيه شبكة الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة أدوات للفتنة، فإن الحقيقة أعمق من ذلك؛ ففي كل عصر كانت هناك وسيلة يمكن استخدامها لإشعال الفتنة. وما يدمر الإنسان ليس تكنولوجيا العصر بقدر ما هو وجود بشر ذوي نفوس شيطانية، يستسلمون لأهوائهم ويحولون التكنولوجيا إلى أداة للشر.

ومع ذلك، لا تنتهي الرواية في فضاء كامل من اليأس.

فخطبة الشيخ عبد الحليم الاجتماعية والروحية من على المنبر، ثم خروج أهل القرية من صمتهم بقيادة المعلم سيد مرسي، يغيران مسار الأحداث.

وحين تعجز القوانين الرسمية، يأتي صوت رجل دين شجاع، يحمل راية الإسلام بما فيها من دعوة إلى إحقاق الحق ونصرة المظلوم، ليبرهن على ما يمكن أن يمتلكه رجل الدين الحقيقي من قوة روحية، وعلى قدرته على تعبئة الناس في مواجهة الظلم.

إن انتفاضة أهل شماوس في وجه الظلم، وغرق فيلا الجنرال في ألسنة اللهب، ليست إلا انفجارًا طبيعيًا لغضب شعبي ظل يتراكم سنوات طويلة، ولحقوق إنسان ظلت تُداس تحت الأقدام.

والنار هنا ليست مجرد نار؛ إنها أيضًا نار التطهير التي تلتهم الزيف والبذخ المصطنع والجريمة.

وفي المشهد الختامي، بينما تشتعل الفيلا في ألسنة اللهب، تبتعد السيارة، وتنهمر الدموع على خدي دنيا. إنه مشهد ختامي بالغ التأثير، يعلن انتصار الحقيقة، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن هذا الانتصار جاء بعد أثمان باهظة، وبعد خسائر لا يمكن ترميمها.

المستشرقة والكاتبة ترانة محمد

وقد سعت المستشرقة والمترجمة ترانة محمد، وهي تنقل إلى الأذربيجانية ثراء اللغة العربية الفني، وأسماء الأماكن، والتعابير الزاخرة بألوان الحياة المصرية، والأمثال الشعبية، إلى الحفاظ على روح العمل الأصلية، وإيقاعه، وتوتره النفسي.

وخلال عملية التحرير، أُولي اهتمام خاص بمواءمة التعابير الشرقية الخاصة والعبارات ذات الطابع المصري مع الإمكانات الفنية للغة الأذربيجانية، مع الحرص، في الوقت نفسه، على تقديم أسماء الأماكن، مثل شماوس، ومصر الجديدة، والمعادي، والأسماء الخاصة، بصورة دقيقة تحافظ على أصواتها الأصلية.

ونحن على ثقة بأن هذه الرواية القيّمة لأشرف دالي ستترك أثرًا عميقًا في قلب القارئ الأذربيجاني، وستعرّفه من ناحية على جوانب من الواقع الاجتماعي المعاصر في مصر، وتذكره من ناحية أخرى بحقيقة إنسانية راسخة: أن الإنسانية والعدالة وكرامة الإنسان تظل أسمى من كل شيء.

نتمنى لكم قراءة مؤثرة، ثرية بالتأمل، ومفعمة بالفكر!

د.عادلة نظر
دكتورة في الفلسفة في علم فقه اللغة

Related Posts

قصيدة د. عادلة نظر إلى نرجس بطلة رواية «شماوس»…

أصدقائي، في هذه الليلة فرغت من قراءة رواية «شماوس» للكاتب المصري أشرف الدالي، التي نُعِدّها للنشر باللغة الأذربيجانية. وبالمناسبة، أود أن أشير إلى أن ترجمة الرواية أنجزتها المترجمة ترانة محمد.…

باباكار نداي يكتب من السنغال: جسور الفجر

جسور الفجر هي كلمات ترتفع كالجسور، فوق الهمس، وخلف المواجهات. حين تتعثر الأرض ويشتعل السماء، تصبح الثقافة مرآة لروحنا. من ضفة إلى أخرى، وعبر التيارات، تسافر القصيدة وتتحدى الدوامات، لا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *